بقلم: الباز عبدالإله
دخل فوزي لقجع إلى إحدى محطاته الحزبية داخل حزب الأصالة والمعاصرة رافعاً شعار الانتقال من «الكلام المعسول» إلى الأجوبة الحقيقية، ومتحدثاً عن «صحة حقيقية» و«تعليم حقيقي» والقدرة الشرائية وكرامة المواطن واستعادة الثقة، غير أن هذه الوعود لا تصدر عن وافد جديد إلى تدبير الشأن العام، بل عن مسؤول حكومي يوجد منذ سنة 2021 في قلب إعداد الميزانية وتتبع تنفيذها.
وهنا تبدأ المفارقة، فبينما يعد لقجع المغاربة بمرحلة تقوم على النتائج بدل الخطابات، يضع تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول تنفيذ قانون المالية لسنة 2023 أمام النقاش معدلات تنفيذ متواضعة لعدد من البرامج المرتبطة بالصحة والتعليم والشباب، وهي أرقام يصعب تجاوزها عند تقييم إحدى السنوات التي تولى خلالها مسؤولية الميزانية.
ويشغل لقجع منصب الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، وهو ما يجعل سؤال الحصيلة مشروعاً سياسياً عندما يتحول المسؤول الحكومي نفسه إلى قيادي حزبي يعد الناخبين بأجوبة جديدة في ملفات ظلت في صلب أولويات الحكومة وميزانياتها.
وخلال مشاركته في لقاء حزبي بأكادير، الأحد 9 غشت 2026، وضع لقجع الصحة والتعليم والقدرة الشرائية والشباب واستعادة الثقة في مقدمة الملفات التي تحتاج، بحسب خطابه، إلى أجوبة حقيقية، مؤكداً أن البرنامج المقبل لحزب الأصالة والمعاصرة ينبغي أن ينطلق من الواقع وألا يقوم على «الكلام المعسول».
وأكد لقجع أن كرامة المواطن تمر عبر ضمان «صحة حقيقية» و«تعليم حقيقي» وتوفير فرص تجعله منتجاً وفاعلاً داخل المجتمع، كما وضع القدرة الشرائية وإشراك الشباب واستعادة الثقة في المؤسسات والعمل السياسي ضمن الملفات التي ينبغي أن تشكل جوهر البرنامج المقبل للحزب.
غير أن عبارتي «صحة حقيقية» و«تعليم حقيقي» تكتسبان ثقلاً إضافياً عند وضعهما إلى جانب ما سجله المجلس الأعلى للحسابات بشأن تنفيذ عدد من البرامج المرتبطة بالقطاعين خلال سنة 2023، وهي إحدى السنوات التي كان فيها لقجع مسؤولاً حكومياً عن الميزانية.
ففي تقريره حول تنفيذ قانون المالية لسنة 2023، سجل المجلس أن معدل تنفيذ برنامج تعزيز وتأهيل والحفاظ على البنيات التحتية والتجهيزات الصحية لم يتجاوز 46.8 في المائة، فيما بلغ معدل تنفيذ برنامج تحسين جودة التعليم والتكوين 63.1 في المائة، بينما توقف تنفيذ برنامج الشباب والطفولة والمرأة عند 47.3 في المائة.
ولا تقيس هذه النسب جودة الخدمات الصحية أو التعليمية أو نسبة إنجاز أهدافها الاجتماعية، وإنما تعكس مستوى تنفيذ نفقات الاستثمار المخصصة لبرامج محددة خلال سنة 2023، غير أنها تعيد طرح سؤال الفارق بين الاعتمادات المفتوحة داخل قانون المالية وبين القدرة الفعلية على تحويلها إلى مشاريع وتجهيزات منجزة على أرض الواقع.
والأرقام العامة تزيد سؤال التنفيذ ثقلاً، إذ بلغت الاعتمادات النهائية لنفقات الاستثمار خلال سنة 2023 نحو 144.3 مليار درهم، بينما بلغت النفقات المنفذة حوالي 119.2 مليار درهم، بمعدل تنفيذ إجمالي قدره 82.5 في المائة.
غير أن هذا المعدل ينخفض إلى 72.5 في المائة عند استبعاد نفقات الاستثمار المدرجة ضمن التكاليف المشتركة، التي يجري جزء منها عبر تحويلات إلى الحسابات الخصوصية للخزينة والمؤسسات والمقاولات العمومية.
وسجل المجلس أن عدداً من البرامج التابعة لقطاعات حكومية، خصوصاً تلك المرتبطة بالسياسات العمومية ذات الطابع الاجتماعي، حققت معدلات تنفيذ تراوحت بين 40.4 و67 في المائة، رغم استفادتها من زيادات ملحوظة في اعتماداتها المالية.
وتكشف هذه المعطيات أن النقاش لا يتعلق فقط بحجم الأموال التي ترصدها الدولة، بل أيضاً بقدرة الجهاز الحكومي على تحويل الاعتمادات المفتوحة إلى مشاريع وتجهيزات منفذة فعلياً، وهو السؤال نفسه الذي يضعه لقجع اليوم في قلب خطابه الحزبي حين يدعو إلى الانتقال من الأقوال إلى الأجوبة الحقيقية.
وتبرز في المقابل مؤشرات إيجابية ضمن حصيلة سنة 2023، من بينها تراجع عجز الميزانية من 5.4 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنة 2022 إلى 4.4 في المائة سنة 2023، وانخفاض نسبة دين الخزينة من 71.6 إلى 69.5 في المائة من الناتج الداخلي الخام.
ورغم تراجع نسبة المديونية إلى الناتج الداخلي الخام، استمرت القيمة الإجمالية لدين الخزينة في الارتفاع، لتبلغ 1016.6 مليار درهم في نهاية سنة 2023، بزيادة قدرها 64.9 مليار درهم مقارنة بسنة 2022.
كما أشار المجلس إلى أن تحسن عجز الميزانية ارتبط بارتفاع المداخيل الجبائية وغير الجبائية، وبالفائض الذي سجلته الحسابات الخصوصية للخزينة، إلى جانب استمرار اللجوء إلى «التمويلات المبتكرة» بقيمة قاربت 25.4 مليار درهم خلال السنة نفسها.
وتمنع هذه المؤشرات اختزال صورة المالية العمومية في جانب واحد، غير أن تحسن التوازنات الكبرى لا يلغي سؤال نجاعة الإنفاق، خصوصاً عندما يتعلق الأمر ببرامج اجتماعية تمس الصحة والتعليم والشباب، وهي المجالات نفسها التي عاد لقجع ليضعها في مقدمة الملفات التي تحتاج إلى حلول جديدة.
ولا يعني ذلك أن المجلس الأعلى للحسابات حمّل فوزي لقجع شخصياً مسؤولية ضعف تنفيذ برامج الصحة أو التعليم، فهذه البرامج تتولى القطاعات الحكومية المختصة تدبيرها وتنفيذها، كما لم يصدر المجلس حكماً يقول إن لقجع «فشل» في تدبير الميزانية.
لكن موقعه وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية يجعله جزءاً من المسؤولية الحكومية والسياسية عن منظومة إعداد قوانين المالية وتتبع تنفيذها، خصوصاً بعدما انتقل إلى موقع قيادي داخل حزب يستعد لطلب ثقة الناخبين ببرنامج جديد.
ومن هنا تصبح عبارة «الكلام المعسول» التي اختارها لقجع بنفسه قابلة لأن تُقرأ في اتجاهين، باعتبارها وعداً للمستقبل، وفي الوقت نفسه معياراً يمكن أن تُقاس به أيضاً حصيلة الحكومة التي شارك في تدبير ميزانياتها.
فالناخب الذي يسمع اليوم حديثاً عن «صحة حقيقية» و«تعليم حقيقي» والقدرة الشرائية واستعادة الثقة، يمكنه أن يسأل في المقابل عما تحقق فعلياً خلال الولاية الحكومية الحالية، وعن المسافة التي ظلت تفصل بين الاعتمادات المفتوحة في قوانين المالية وبين المشاريع والخدمات التي وصلت إلى المواطن.
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية، يصبح امتحان لقجع مزدوجاً، فهو لا يدخل فقط إلى المنافسة الحزبية بخطاب جديد، وإنما يدخلها أيضاً بحصيلة حكومية قابلة للقياس بأرقام المؤسسات الرسمية.
وبذلك يصبح إعلان نهاية «الكلام المعسول» مدخلاً مباشراً إلى سؤال الحصيلة، ليس فقط بشأن ما سيقوله حزب الأصالة والمعاصرة للمغاربة غداً، وإنما أيضاً بشأن ما تحقق خلال السنوات الماضية من الاعتمادات والبرامج التي وُضعت تحت تصرف القطاعات الحكومية.
وقبل أن يعد لقجع المغاربة بـ«صحة حقيقية» و«تعليم حقيقي» في البرنامج المقبل، تضع أرقام المجلس الأعلى للحسابات سؤالاً لا يتعلق بما سيقوله الحزب غداً بقدر ما يتعلق بما تحقق اليوم: خلال سنوات وجوده في قلب تدبير الميزانية، هل تحولت الاعتمادات المتزايدة فعلاً إلى مستوى التنفيذ الذي ينتظره المواطن؟
