وضعت معطيات رسمية صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات حصيلة تطور مديونية الخزينة خلال السنوات الثلاث الأولى من ولاية حكومة عزيز أخنوش أمام أرقام لافتة، بعدما ارتفع دين الخزينة من حوالي 885.3 مليار درهم نهاية سنة 2021 إلى أكثر من 1.081 تريليون درهم نهاية 2024، أي بزيادة تناهز 196.3 مليار درهم خلال ثلاث سنوات.
ووردت هذه المعطيات ضمن تقارير المجلس الأعلى للحسابات المتعلقة بتنفيذ قوانين المالية، إلى جانب التقرير حول تنفيذ قانون المالية لسنة 2024، المنشور رسمياً في 8 يوليوز 2026، والذي خصص حيزاً لتطور مديونية الخزينة وبنيتها وكلفتها والمخاطر المرتبطة بها.
وبصيغة السنتيم، تجاوز رصيد دين الخزينة 108 آلاف مليار سنتيم نهاية 2024، فيما أظهرت معطيات تنفيذ الميزانية أن النفقات المرتبطة باستهلاك الدين المتوسط والطويل الأجل وأداء الفوائد والعمولات بلغت نحو 102.2 مليار درهم خلال السنة نفسها، أي ما يعادل حوالي 10 آلاف و220 مليار سنتيم.
وتتقاطع الفترة الممتدة بين نهاية 2021 ونهاية 2024، التي ارتفع خلالها الدين بنحو 196.3 مليار درهم، مع السنوات الثلاث الأولى من ولاية حكومة أخنوش، التي نُصبت في أكتوبر 2021، ما يجعل تطور المديونية جزءاً من حصيلتها المالية، دون أن يعني ذلك تحميل الحكومة الحالية وحدها مسؤولية كامل الدين المتراكم.
فدين الخزينة يرتبط بالتزامات تمتد عبر سنوات وحكومات متعاقبة، كما يتأثر بعجز الميزانية والظرفية الاقتصادية وأسعار الفائدة وحاجيات تمويل الاستثمار والسياسات العمومية، غير أن الحكومة تبقى مسؤولة سياسياً عن اختيارات الاقتراض والإنفاق وتدبير كلفة الدين خلال مدة ولايتها.
وبحسب المعطيات الرسمية، بلغ إجمالي دين الخزينة نحو 1.0816 تريليون درهم نهاية 2024، مقابل حوالي 1.0167 تريليون درهم سنة 2023، مسجلاً زيادة سنوية تناهز 64.9 مليار درهم، أي بنحو 6.4 في المائة.
ورغم ارتفاع القيمة المطلقة للدين، تراجعت نسبته إلى الناتج الداخلي الإجمالي، وفق المعطيات التي اعتمدها المجلس، من 68.7 في المائة سنة 2023 إلى 67.7 في المائة نهاية 2024.
ويعكس هذا التطور ارتفاع الناتج الداخلي الاسمي بوتيرة سمحت بانخفاض نسبة المديونية إليه، رغم استمرار رصيد الدين نفسه في الارتفاع، ما يجعل استدامة هذا المسار مرتبطة بقدرة الاقتصاد على الحفاظ على وتيرة نمو كافية ومواصلة ضبط العجز.
وعلى مستوى بنية المديونية، بلغ الدين الداخلي المستحق على الخزينة نحو 811.8 مليار درهم، بما يمثل 75.1 في المائة من إجمالي الدين، مقابل دين خارجي بلغ حوالي 269.8 مليار درهم، بحصة تناهز 24.9 في المائة.
ولا يظهر العبء المالي للمديونية في حجم رصيدها الإجمالي وحده، بل كذلك في المبالغ التي تخصصها الميزانية سنوياً لسداد الاستحقاقات وأداء الفوائد والعمولات.
وبحسب معطيات تنفيذ الميزانية، بلغت النفقات المتعلقة باستهلاك الدين المتوسط والطويل الأجل وأداء الفوائد والعمولات خلال سنة 2024 نحو 102.2 مليار درهم، موزعة بين حوالي 63.54 مليار درهم لاستهلاك أصل الديون المستحقة، و38.66 مليار درهم للفوائد والعمولات.
وبذلك، فإن مبلغ 102.2 مليار درهم لا يمثل فوائد الدين وحدها، بل يجمع بين سداد جزء من أصل الدين المتوسط والطويل الأجل وبين الأعباء المالية المترتبة عنه.
وسجلت هذه النفقات تراجعاً مقارنة بسنة 2023، حين بلغت وفق المنهج نفسه نحو 122.4 مليار درهم، غير أن الانخفاض ارتبط أساساً بتراجع المبالغ المخصصة لاستهلاك أصل الدين، في وقت واصلت فيه الفوائد والعمولات منحاها التصاعدي.
وانتقلت الفوائد والعمولات من حوالي 33.4 مليار درهم سنة 2023 إلى 38.66 مليار درهم سنة 2024، أي بزيادة تناهز 5.25 مليارات درهم في سنة واحدة.
كما ارتفعت كلفة المديونية خلال السنوات الأخيرة في سياق اتسم بارتفاع أسعار الفائدة وتزايد حجم الدين، وهي عوامل ترفع الأعباء التي تتحملها الميزانية عند الاقتراض الجديد أو إعادة تمويل ديون سابقة.
وسجل متوسط كلفة دين الخزينة ارتفاعاً من 3.32 في المائة سنة 2023 إلى 3.96 في المائة سنة 2024.
كما انتقل متوسط كلفة الدين الداخلي من 3.23 في المائة إلى 3.89 في المائة، فيما ارتفعت كلفة الدين الخارجي من 3.62 في المائة إلى 4.14 في المائة خلال الفترة نفسها.
ويعني ارتفاع كلفة الاقتراض أن إعادة تمويل الديون المستحقة يمكن أن تتم بشروط أكثر كلفة مقارنة بسنوات أسعار الفائدة المنخفضة، وهو ما يفرض استمرار تتبع مخاطر المديونية وقدرة المالية العمومية على تحمل أعبائها.
كما ارتفعت حصة الدين الخارجي المتعاقد بشأنه بسعر فائدة متغير من 29.9 في المائة سنة 2023 إلى 33.9 في المائة نهاية 2024.
وأوضحت وزارة الاقتصاد والمالية، في جوابها على ملاحظات المجلس، أن ارتفاع هذه الحصة يرتبط أساساً بطبيعة بعض القروض التي تقدمها المؤسسات المالية الدولية، من بينها البنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية وصندوق النقد الدولي.
وأضافت الوزارة أن الدين ذي الفائدة المتغيرة يمثل حوالي 10 في المائة فقط من إجمالي دين الخزينة، ما يحد، بحسب توضيحاتها، من حجم المخاطر الإجمالية المرتبطة بتقلب أسعار الفائدة.
وفي مقابل ارتفاع القيمة المطلقة للدين وأعباء فوائده وعمولاته، سجلت المالية العمومية مؤشرات تحسن أخرى، إذ تراجع عجز الميزانية من 4.4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2023 إلى 3.9 في المائة سنة 2024.
كما تحسن متوسط الأجل المتبقي لسداد دين الخزينة من سبع سنوات وثلاثة أشهر سنة 2023 إلى ثماني سنوات وشهرين سنة 2024، نتيجة توجه الخزينة نحو الاقتراض بآجال أطول، بما يسمح بتوزيع الاستحقاقات على فترة زمنية أوسع وتقليص ضغوط السداد القريبة.
وسبق للمجلس الأعلى للحسابات أن نبه إلى ما يمكن أن تمثله مستويات العجز والمديونية من ضغوط مستقبلية على المالية العمومية واستدامتها، وهو ما يجعل تقييم المديونية مرتبطاً ليس فقط بحجمها، ولكن أيضاً بكلفتها وبقدرة الاقتصاد والميزانية على تحمل أعبائها.
ولا تثبت زيادة الدين وحدها وجود مخالفة قانونية أو سوء تدبير، كما لا تسمح بعزل أثر الحكومة الحالية عن المديونية التي راكمتها الدولة على مدى سنوات وعن الظروف الاقتصادية الداخلية والدولية.
لكن ارتفاع دين الخزينة بنحو 196.3 مليار درهم بين نهاية 2021 ونهاية 2024 يظل جزءاً من الحصيلة المالية للسنوات الثلاث الأولى من ولاية الحكومة الحالية، ويطرح سؤال طبيعة النفقات والاستثمارات التي مولها الاقتراض، والنتائج الاقتصادية والاجتماعية التي تحققت مقابل هذه الزيادة.
فالمعيار لا يتوقف عند حجم الاقتراض وحده، بل يمتد إلى وجهة الأموال المقترضة، ومردوديتها، وقدرتها على توليد النمو والموارد الضرورية لأداء الدين مستقبلاً، دون أن تتحول كلفة الفوائد والعمولات إلى ضغط متزايد على الهوامش المالية المخصصة للصحة والتعليم والاستثمار والخدمات العمومية.
وبين تراجع نسبة المديونية إلى الناتج الداخلي وانخفاض عجز الميزانية من جهة، وارتفاع القيمة الفعلية للدين والفوائد والعمولات من جهة ثانية، تضع الأرقام الرسمية حصيلة السنوات الثلاث الأولى من حكومة أخنوش أمام مفارقة مالية واضحة: تحسنت بعض المؤشرات النسبية، فيما أنهت الخزينة سنة 2024 بدين يتجاوز تريليون درهم وفاتورة فوائد وعمولات بلغت 38.66 مليار درهم خلال سنة واحدة.
