بقلم: الباز عبدالإله
فتحت القراءة الدقيقة للتقرير الأولي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان حول ملاحظة الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 أسئلة منهجية لا ترتبط هذه المرة بما جرى داخل مكاتب التصويت فقط، بل بالطريقة التي بنى بها المجلس نفسه إحدى أهم النسب التي استعملها لإبراز حجم تغطيته الميدانية للاقتراع.
التقرير، الممتد على 57 صفحة، يخصص ضمن قسم «منهجية المجلس للملاحظة» حيزاً لشرح بناء العينة الميدانية، موضحاً أنه اعتمد الجماعة الترابية وحدة لبناء العينة وتوزيع الملاحظات والملاحظين، فيما اعتبر مكتب التصويت وحدة لملاحظة عمليات يوم الاقتراع.
كما يقول إن اختيار الجماعات استند إلى أربعة معايير تشمل عدد السكان، ومستويات المشاركة الانتخابية السابقة، والفقر متعدد الأبعاد، وإشكالية التعليم.
ويضيف المجلس أن العينة شملت 733 جماعة من أصل 1538 جماعة، موزعة بين 542 جماعة قروية و191 جماعة حضرية ومقاطعة، وامتدت إلى 82 عمالة وإقليماً.
إلى هنا تبدو الأرقام محددة بوضوح، غير أن الجملة الموالية تفتح أول سؤال حسابي مباشر داخل التقرير نفسه.
فالمجلس يقول إنه حدد «الحد الأدنى المبرمج للملاحظة» في 3915 مكتب تصويت من أصل ما يقارب 40,700 مكتب على الصعيد الوطني، قبل أن يضيف أن ذلك يمثل «نسبة تغطية دنيا في حدود 8.9%».
غير أن إعادة العملية الحسابية انطلاقاً حصراً من الرقمين اللذين نشرهما المجلس تعطي نتيجة مختلفة.
قسمة 3915 على 40,700 تعطي حوالي 9.62 في المائة، وليس 8.9 في المائة.
أما 8.9 في المائة من 40,700 فتعادل حوالي 3622 مكتباً فقط، أي أقل بنحو 293 مكتباً من العدد الذي أورده التقرير باعتباره الحد الأدنى المبرمج للملاحظة.
وبالحساب العكسي، حتى تمثل 3915 مكتباً نسبة 8.9 في المائة، ينبغي أن يكون العدد الإجمالي المرجعي في حدود 43,989 مكتباً، وليس «نحو 40,700» كما ورد في التقرير.
الفرق هنا لا يتعلق بالتقريب العشري البسيط، لأن 9.62 في المائة لا تتحول بالتقريب إلى 8.9 في المائة.
لذلك تظل الوثيقة نفسها بحاجة إلى تفسير: هل وقع خطأ في النسبة؟ أم في أحد الرقمين؟ أم استعمل المجلس مقاماً آخر في الحساب لم يظهر في التقرير المنشور؟
السؤال الثاني يوجد في العبارة التي اختارها المجلس بنفسه: «الحد الأدنى المبرمج للملاحظة».
فالرقم 3915، بحسب الصياغة المنشورة، لا يقدمه التقرير في هذه الفقرة باعتباره حصيلة نهائية لعدد المكاتب التي تمت ملاحظتها فعلياً، وإنما باعتباره عدداً مبرمجاً للملاحظة. ومع ذلك يستعمله التقرير مباشرة عند الحديث عن «نسبة تغطية دنيا».
وهنا يبرز سؤال مختلف عن الإشكال الحسابي نفسه: هل يمثل 3915 عدد المكاتب التي كان مقرراً الوصول إليها ضمن خطة الملاحظة، أم أن المجلس يعتبره كذلك عدداً تحقق فعلياً على أرض الواقع؟
التمييز بين العدد المبرمج والعدد المنجز ليس تفصيلاً لغوياً في تقرير للملاحظة الانتخابية، لأن قياس التغطية الفعلية يستدعي معرفة عدد المكاتب التي تمت ملاحظتها فعلياً، بينما الصياغة الواردة في الصفحة المعنية تقدم للقارئ رقماً موصوفاً صراحة بأنه «مبرمج».
لكن المفاجأة الأكثر إثارة للأسئلة تظهر في الهامش رقم 14 أسفل الصفحة ذاتها.
فالتقرير يوضح أن الرقم المتعلق بنحو 40,700 مكتب تصويت يستند إلى «معطيات منشورة في الصحافة الوطنية» حول الترتيبات اللوجستيكية للانتخابات، ويشير إلى أن تلك المعطيات تتحدث عن توقع إحداث نحو 40,700 مكتب تصويت، مع ذكر هسبريس وInfo24H ضمن الهامش.
الإشكال هنا ليس في الاستناد إلى الصحافة كمصدر للمعلومات، وإنما في الوظيفة التي يؤديها هذا الرقم داخل التقرير.
فالرقم لم يرد باعتباره معلومة سياقية عابرة، بل دخل في مقام العملية التي يفترض أنها تحدد نسبة التغطية الميدانية للمجلس.
والأكثر لفتاً للانتباه أن الهامش يقدم العدد باعتباره توقعاً يقارب 40,700 مكتب، بينما يقدم المتن نسبة إلى مستوى العُشر، هي 8.9 في المائة، رغم أن الحساب باستخدام الرقمين المنشورين لا ينتج تلك النسبة أصلاً.
ويطرح ذلك سؤالاً بسيطاً: كيف يمكن تقديم نسبة محددة بـ8.9 في المائة انطلاقاً من مقام يقدمه المصدر نفسه باعتباره تقريبياً ومتوقعاً، ثم لا تتطابق النسبة حسابياً حتى مع ذلك المقام؟
ولا تتوقف الأسئلة عند هذا الحد.
ففي الجملة نفسها، يؤكد التقرير أن نسبة 8.9 في المائة «تتجاوز المعيار الدولي الذي يقدر ما بين 3% و5%».
لكن الصفحة التي تحمل هذه العبارة لا تقدم بجانبها إحالة مستقلة تحدد اسم المؤسسة الدولية أو الدليل أو المنهجية التي يستند إليها المجلس في وصف نطاق 3 إلى 5 في المائة بأنه «المعيار الدولي».
الهامش رقم 14 الظاهر أسفل الصفحة متعلق بالترتيبات اللوجستيكية وعدد مكاتب التصويت ومصادره الصحفية، ولا يقدم في نصه مرجعاً لعتبة 3 إلى 5 في المائة.
وهنا يصبح السؤال المنهجي مباشراً: ما المرجع الذي اعتمده المجلس لإسناد صفة «المعيار الدولي» إلى نسبة تتراوح بين 3 و5 في المائة؟
السؤال لا يعني أن هذا النطاق غير مستعمل في أي ممارسة أو تجربة دولية، ولا يسمح التقرير وحده بالجزم بذلك.
لكن من حق قارئ الوثيقة أن يعرف المصدر الذي اعتمد عليه المجلس، خصوصاً عندما تُستخدم المقارنة الدولية لتعزيز دلالة حجم التغطية الميدانية.
المفارقة أن الصفحة المخصصة لمنهجية الملاحظة تقدم أمام القارئ في بضعة أسطر ثلاث حلقات تحتاج إلى توضيح: 3915 مكتباً موصوفة بأنها «مبرمجة»، ونحو 40,700 مكتب مستمدة وفق الهامش من معطيات صحفية تتحدث عن «توقع»، ونسبة 8.9 في المائة لا تنتج حسابياً عن الرقمين المنشورين.
ثم تضاف إليها حلقة رابعة: «معيار دولي» بين 3 و5 في المائة دون أن يظهر في الموضع نفسه المرجع الذي يسمح للقارئ بالعودة إليه والتحقق منه.
هذه المعطيات لا تكفي للقول بوجود تلاعب، ولا تسمح بالطعن تلقائياً في مجمل عملية الملاحظة أو عمل الملاحظات والملاحظين، لكنها تجعل من المشروع مطالبة المجلس بتقديم تفسير تقني واضح للأرقام التي نشرها بنفسه.
المطلوب ليس سجالاً سياسياً، وإنما أجوبة يمكن اختصارها في أسئلة دقيقة: ما العملية الحسابية التي أعطت 8.9 في المائة؟ ما العدد الفعلي لمكاتب التصويت التي تمت ملاحظتها، وليس فقط العدد المبرمج؟ ما العدد الإجمالي الذي استعمله المجلس فعلياً في مقام الحساب؟ وما المرجع المحدد لعبارة «المعيار الدولي بين 3 و5 في المائة»؟
واللافت أن طرح هذه الأسئلة لا يحتاج إلى وثيقة مضادة ولا إلى رواية من خارج المؤسسة، لأن مصدرها الأساسي موجود في الصفحة 23 من تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان نفسه: أرقامه، عباراته وهامشه رقم 14.
