بقلم: الباز عبدالإله
وضعت أزمة سبتة الأخيرة قدرة الاتحاد الأوروبي على الحفاظ على تماسكه أمام اختبارات الهجرة تحت المجهر، بعدما اعتبر تحليل جديد نشره الكاتب بول تايلور في صحيفة «الغارديان» البريطانية، أمس الأربعاء 12 غشت 2026، أن تدفق عشرات الآلاف من الأشخاص من المغرب لم يكشف فقط هشاشة إدارة الحدود، بل أظهر كذلك السرعة التي يمكن بها أن تنقلب الدول الأوروبية على بعضها عندما تتحول الهجرة إلى أداة للصراع السياسي.
وجاءت هذه القراءة في مقال رأي للكاتب بول تايلور، الزميل الزائر الأول في برنامج «أوروبا في العالم» بالمركز الأوروبي للسياسات «European Policy Centre»، وليس في تحقيق إخباري أو افتتاحية تعبر عن موقف رسمي للصحيفة، وهو ما يضع ما ورد فيه ضمن التحليل السياسي الذي يستند إلى تطورات أزمة سبتة وتداعياتها داخل الاتحاد الأوروبي.
ويرى تايلور أن الصور الأولى لعشرات الآلاف من الأشخاص وهم يحاولون الوصول إلى سبتة من المغرب يوم 30 يوليوز فجرت خلال ساعات سلسلة من ردود الفعل السياسية، بعدما انتقد قادة أوروبيون إلى جانب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإسرائيل طريقة تعامل مدريد مع الهجرة، فيما انتقل النقاش سريعاً من أزمة حدودية إلى مواجهة حول سياسة إسبانيا في تسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين.
واعتبر الكاتب أن رد الفعل الأوروبي كشف، في نظره، عن ازدواجية في التعامل مع أزمات الهجرة.
ففي الوقت الذي وقف فيه الاتحاد الأوروبي إلى جانب بولندا وليتوانيا عندما واجهتا تدفقات للمهاجرين من بيلاروسيا سنة 2021، وساند اليونان في مواجهة تدفقات قادمة من تركيا، دخلت الحكومات الأوروبية هذه المرة في تبادل للاتهامات بدل تشكيل جبهة موحدة إلى جانب إسبانيا.
وفي قلب هذه القراءة، وضع تايلور المغرب، متسائلاً عن سبب عدم توجيه القادة الأوروبيين والمفوضية الأوروبية أسئلة أكثر وضوحاً بشأن الدور الذي لعبته الرباط خلال الساعات الأولى للأزمة، في وقت بدا فيه، بحسب وصفه، أن عناصر حراسة الحدود المغربية لم تمنع موجة العبور التي شملت أكثر من 72 ألف مغربي، أغلبهم من الشباب، بعد انتشار رسائل على شبكات التواصل تزعم أن «إسبانيا مفتوحة».
غير أن هذا التوصيف يبقى قراءة للكاتب، ولا يشكل نتيجة تحقيق رسمي يثبت أن السلطات المغربية خططت للأحداث أو نظمتها، كما لا توجد، وفق المعطيات المتاحة، أدلة حاسمة تثبت أن موجة العبور كانت عملية مدبرة رسمياً من طرف الرباط.
وتوقف المقال أيضاً عند توقيت الأحداث، التي تزامنت مع عيد العرش ووجود الملك محمد السادس في مدينة تطوان القريبة من سبتة، مستحضراً في الوقت نفسه استمرار الخلاف المغربي الإسباني التاريخي حول وضع سبتة ومليلية، وواضعاً هذه العناصر ضمن السياق الجيوسياسي الذي أحاط بالأزمة.
ونقل الكاتب عن آنا تيرون كوسي، وهي مسؤولة إسبانية سابقة في ملف الهجرة وباحثة في «Migration Policy Institute»، قولها إن ما وقع يجب النظر إليه باعتباره حدثاً متعدد الأطراف والعوامل، معتبرة أن الأزمة كانت، في تقديرها، «جيوسياسية أكثر منها أزمة هجرة».
وذهبت تيرون كوسي، وفق ما أورده تايلور، إلى أن الأحداث من هذا الحجم في السياق المغربي لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد مصادفة عابرة، غير أن هذا التقدير يظل بدوره موقفاً تحليلياً منسوباً إليها، وليس دليلاً على وجود تخطيط رسمي مغربي للأحداث.
واستند تايلور إلى هذا الطرح ليقول إن اختزال ما حدث في حركة عفوية عبر شبكات التواصل لا يكفي وحده لفهم تداعياتها السياسية الواسعة، بالنظر إلى السرعة التي تحولت بها موجة العبور إلى أزمة أوروبية تتجاوز الحدود الإسبانية المغربية.
لكن الانقسام الذي ركز عليه المقال ظهر بصورة أوضح داخل أوروبا نفسها.
فقد قادت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني انتقادات قوية لحكومة بيدرو سانشيز، بينما شاركت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن في الدفع باتجاه رسالة أوروبية جماعية إلى رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، وسط طرح وصل إلى حد الحديث عن تعليق عضوية إسبانيا في فضاء شنغن.
وبعد اجتماع عاجل لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي، عاد قدر من التضامن الظاهري، بينما كان معظم الذين دخلوا سبتة قد عادوا إلى المغرب.
غير أن آثار الأزمة، وفق تايلور، لم تنته عند الحدود، إذ دخلت إيطاليا وإسبانيا في إجراءات متبادلة تتعلق بمراقبة جوازات السفر والجنسيات، محولة أزمة بدأت على حدود المغرب إلى خلاف مباشر بين دولتين عضوين في الاتحاد الأوروبي.
وهنا يصل تحليل تايلور إلى خلاصته السياسية الأثقل، إذ يرى أن ما جرى لم يمر دون أن تلاحظه قوى وقيادات تتعامل مع أوروبا في ملفات حساسة مرتبطة بالهجرة والأمن والجغرافيا السياسية.
واعتبر أن فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان والملك محمد السادس نفسه سيكونون، بحسب تعبيره، قد لاحظوا مدى السرعة التي يمكن بها أن يدخل الأوروبيون في حالة ذعر وأن تنقلب دول الاتحاد على بعضها بمجرد ظهور تدفقات كبيرة للمهاجرين على حدودها.
وبحسب هذه القراءة، فإن سبتة كشفت مشكلة تتجاوز العلاقة بين المغرب وإسبانيا، وتتمثل في التناقض بين حاجة دول الاتحاد الأوروبي إلى الحفاظ على فضاء شنغن وإدارة حدودها الخارجية بشكل مشترك، وبين المصلحة السياسية القصيرة الأمد لبعض الحكومات في تحويل الهجرة إلى أداة للمزايدة الداخلية ومهاجمة الحكومات الأوروبية الأخرى.
وبذلك، يضع مقال تايلور المغرب داخل معادلة أوروبية أوسع، لا باعتباره طرفاً ثبت أنه نظم الأزمة، وإنما باعتباره جاراً جنوبياً للاتحاد الأوروبي يتمتع بموقع محوري في إدارة تدفقات الهجرة نحو أوروبا، بينما أظهرت أزمة سبتة، وفق الكاتب، أن مجرد اضطراب كبير على هذه الحدود قادر على نقل التوتر بسرعة من الضفة الجنوبية للمتوسط إلى قلب الخلافات بين العواصم الأوروبية نفسها.
