بقلم: الباز عبدالإله
بعد تعيين فاطمة الزهراء المنصوري، أمس الثلاثاء 29 شتنبر 2026، رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، انتقل المشهد السياسي من حساب المقاعد ونتائج الصناديق إلى مرحلة لا تقل حساسية: بناء الأغلبية وتوزيع الحقائب والمواقع الكبرى داخل المؤسسات.
وهنا يبدأ ما يمكن تسميته، بالتعبير السياسي الدارج، بـ«التفرقيش»؛ أي توزيع الحقائب والمناصب بين مكونات الأغلبية التي ستقود المرحلة المقبلة.
لكن الحقائب ليست كلها متشابهة، ولا الوزن السياسي والمالي للوزارات واحداً.
خلف سباق الأسماء توجد قطاعات ترتبط مباشرة بميزانيات ضخمة واستثمارات وأوراش وصفقات عمومية بمليارات الدراهم، ما يجعل السؤال عن هوية مَن سيتولى تدبيرها جزءاً أساسياً من قراءة موازين القوة داخل الحكومة الجديدة.
في المقدمة تأتي وزارة الاقتصاد والمالية.
الوزارة توجد في قلب إعداد وتنفيذ الميزانية والضرائب والدين العمومي والسياسات المالية، إضافة إلى موقعها المركزي في تتبع المؤسسات والمقاولات العمومية والاستثمار العمومي.
وهنا يظهر الرقم الأثقل في الصورة: 380 مليار درهم، هي قيمة الاستثمار العمومي المبرمج برسم سنة 2026، وفق وثائق وزارة الاقتصاد والمالية.
غير أن الرقم لا يعني وجود 380 مليار درهم تحت تصرف وزارة واحدة، إذ يتوزع الاستثمار العمومي بين الميزانية العامة ومؤسسات وآليات متعددة، بينها المؤسسات والمقاولات العمومية التي يصل استثمارها المبرمج وحدها سنة 2026 إلى حوالي 179.7 مليار درهم.
وبعد المالية، تبرز وزارة التجهيز والماء، إحدى أكثر الحقائب ارتباطاً بالأوراش الكبرى، من الطرق والسدود إلى البنيات المائية والموانئ.
وتكشف أرقام 2026 حجم الرهان، إذ خُصص لقطاع الماء وحده غلاف استثماري يبلغ 16.4 مليار درهم، مع استمرار مشاريع السدود وتحويل المياه بين الأحواض والتحلية وتأمين التزود بالماء.
أما وزارة الفلاحة والصيد البحري، فتحمل بدورها وزناً يتجاوز اسم الوزير إلى حجم الملفات الموجودة داخل القطاع: الدعم والاستثمارات الفلاحية والماء الفلاحي والعالم القروي والموارد البحرية والأمن الغذائي.
وتزداد أهمية هذه الحقيبة سياسياً مع بداية مفاوضات الحكومة الجديدة، خصوصاً بعدما أصبح مستقبل القطاعات التي ظلت لسنوات تحت تدبير مكونات بعينها موضوعاً مطروحاً داخل النقاش الحزبي.
لهذا لن يكون السؤال فقط: مَن سيكون وزير الفلاحة؟ بل أيضاً: مَن سيحصل على القطاع، وهل ستبقى هندسته الحالية كما هي أم ستشهد الحكومة الجديدة إعادة توزيع لبعض مكوناته؟
وتدخل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بدورها ضمن الحقائب الثقيلة مالياً واجتماعياً.
ميزانية القطاع وصلت سنة 2026 إلى حوالي 42.4 مليار درهم، مقابل 32.6 ملياراً في 2025، أي بزيادة تقارب 9.8 مليارات درهم، بالتوازي مع أوراش المستشفيات الجامعية وتأهيل وتجديد المؤسسات الصحية.
أما الصحة والتربية الوطنية مجتمعين، فقد بلغ الغلاف المالي المخصص لهما سنة 2026 حوالي 140 مليار درهم، إضافة إلى أكثر من 27 ألف منصب مالي.
وخارج التشكيلة الحكومية، يوجد منصب آخر ستتجه إليه الأنظار بقوة: رئاسة مجلس النواب.
رئيس الغرفة الأولى لا يدبر ميزانية الدولة ولا يمكن وضع منصبه مالياً في المستوى نفسه مع وزارة المالية أو التجهيز أو الصحة، لكن الوزن السياسي والمؤسساتي للمنصب واضح، بالنظر إلى موقع مجلس النواب في التشريع ومراقبة العمل الحكومي ومناقشة قوانين المالية، فضلاً عن الصلاحيات التي يمنحها النظام الداخلي لرئيس المجلس ومكتبه.
وهنا تصبح مفاوضات تشكيل الحكومة أكثر من مجرد سباق على أسماء الوزراء.
بعد حسم اسم رئيسة الحكومة، تبدأ الأسئلة الأثقل:
مَن سيمسك بوزارة الاقتصاد والمالية؟
مَن سيأخذ التجهيز والماء؟
إلى مَن ستذهب الفلاحة والصيد البحري؟
مَن سيتولى الصحة؟
ومَن سيجلس على كرسي رئاسة مجلس النواب؟
الأجوبة عن هذه الأسئلة ستكشف كيف ستتوزع مواقع المسؤولية والنفوذ داخل الأغلبية الجديدة، ومن سيتولى الإشراف السياسي على بعض أكثر القطاعات ارتباطاً بالميزانية والاستثمار والأوراش الكبرى.
فبعد التعيين يبدأ «التفرقيش».. والعيون هذه المرة لن تكون فقط على مَن دخل الحكومة، بل على أي حقيبة أخذ، وما الذي يوجد داخلها من ميزانيات وأوراش واختصاصات ثقيلة.
