بقلم: الباز عبدالإله
لم يختر عبد الإله بنكيران أن يرد على المطالبين برحيله من السياسة بمجرد الدفاع عن موقعه على رأس حزب العدالة والتنمية، بل ذهب أبعد من ذلك، كاشفاً أنه فكر فعلاً في الاستقالة، قبل أن يضع أمام منتقديه مفارقة سياسية ثقيلة: وجود ما يسميه «الافتراس المالي والتحكم السياسي والتلاعب» ليس، في نظره، مبرراً لمغادرة السياسة، بل سبباً للاستمرار داخلها ومواجهته.
وجاء موقف الأمين العام لحزب العدالة والتنمية في تسجيل بثه الحزب رسمياً مساء الخميس 13 غشت 2026، رداً على عزيز الدروش الذي طالبه بالانسحاب من العمل السياسي بسبب ما وصفه بـ«فساد المنظومة»، وهو الوصف نفسه الذي اختاره الحزب عنواناً للتسجيل المنشور عبر منصاته الرسمية.
بنكيران لم ينف أن فكرة الرحيل راودته، وقال إنه فكر في الاستقالة أكثر من مرة، مبرراً استمراره بإحساسه بالمسؤولية تجاه الحزب والأمانة التي حُمّلها، ومؤكداً أن التخلي عن العمل السياسي في هذه المرحلة لا يمثل، بالنسبة إليه، الجواب على الاختلالات التي ينتقدها.
ومن أكثر اللحظات التي توقف عندها بنكيران أحداث سبتة الأخيرة، إذ أعاد الحديث عن الصدمة التي خلفتها لديه مشاهد توجه أعداد كبيرة من الشباب واليافعين نحو المدينة المحتلة بالتزامن مع احتفالات عيد العرش، وهي الأحداث التي سبق أن قال إنها آلمته وإنه لم يجد لها تفسيراً، مطالباً بفتح تحقيق لمعرفة حقيقة ما وقع.
ولم يتعامل بنكيران مع الواقعة باعتبارها مجرد ملف للهجرة غير النظامية، بل ربطها بسؤال أوسع حول علاقة الشباب ببلدهم، متسائلاً عن الأسباب التي دفعتهم إلى محاولة المغادرة بهذه الطريقة، ومحملاً الدولة والمجتمع مسؤولية جماعية عن البحث في خلفيات ما جرى، مع انتقاده غياب التفسير والتواصل حول تلك الأحداث.
ومن سبتة عاد الأمين العام للعدالة والتنمية إلى واحدة من أكثر المحطات حساسية في مساره السياسي، وهي حركة 20 فبراير، مدافعاً عن روايته لدور حزبه آنذاك، ومعتبراً أن العدالة والتنمية ساهم «بقدر محترم وكبير» في الحفاظ على استقرار المغرب، وأن التطورات كان يمكن، بحسب تقديره، أن تقود البلاد إلى نتائج خطيرة لولا الطريقة التي جرى بها تدبير تلك المرحلة.
غير أن الجزء الأكثر لفتاً في رده جاء عندما انتقل من الدفاع عن تجربة حزبه إلى توصيف ما يعتبره أعطاباً قائمة داخل الممارسة السياسية، مستعملاً عبارات مباشرة من قبيل «الافتراس المالي» و«التحكم السياسي» و«التلاعب».
بنكيران، مع ذلك، قلب حجة الدعوة إلى الانسحاب رأساً على عقب. فإذا كان المشهد السياسي يعرف، بحسب توصيفه، «افتراساً مالياً وتحكماً سياسياً وتلاعباً»، فإن الجواب بالنسبة إليه ليس ترك المجال، وإنما دخول أشخاص يعتبرهم صالحين إلى السياسة ومحاولة الإصلاح من داخل المؤسسات.
وهاجم في السياق نفسه تحويل السياسة إلى طريق نحو المال والمنافع وخدمة المصالح العائلية، محذراً من أن من يدخل المجال العام بهذا المنطق لن يتوقف عند حد، لأن البحث عن المصلحة الشخصية، وفق تصوره، يتحول إلى مسار مفتوح للحصول على المزيد.
كما استعاد سنوات رئاسته للحكومة ليذكّر بأن العدالة والتنمية لم يكن يحكم منفرداً، وإنما ضمن ائتلاف، رافضاً تحميل تجربته مسؤولية كل ما ظل قائماً من اختلالات. وبالمقابل، قدم حصيلة حزبه باعتبارها شملت إجراءات اجتماعية استفادت منها، بحسب قوله، فئات من الأرامل والطلبة والمتقاعدين، ودافع عن صورة الحزب من زاوية «نظافة اليد».
وتتضح هنا الرسالة التي أراد بنكيران توجيهها إلى الدروش وإلى خصومه في الوقت نفسه: فهو لا يقول إن شروط الإصلاح متوفرة، بل يعترف بصعوبتها، ولا يقدم السياسة باعتبارها مجالاً خالياً من الفساد، بل يستعمل بنفسه مفردات «الافتراس» و«التحكم» و«التلاعب»، لكنه يرفض أن يصبح وجود هذه الاختلالات مبرراً لمغادرة الساحة.
وبهذا المعنى، لم يكن رد بنكيران على دعوة شخصية إلى الاستقالة مجرد إعلان بأنه باقٍ. الرسالة الأبرز كانت أنه يرى نفسه وحزبه جزءاً من معركة لم تنته بعد، حتى وهو يقر بأن المجال الذي يريد الاستمرار داخله يعاني، بحسب توصيفه هو، من «الافتراس المالي والتحكم السياسي والتلاعب».
