تحوّل سجال محمد أوزين وإدريس شحتان من خلاف سياسي وإعلامي إلى تبادل اتهامات من النوع الذي يصعب اختزاله في «تدوينة وردّ عليها»، بعدما أدخل الأمين العام لحزب الحركة الشعبية في المواجهة حديثاً عن «القاصرين» و«الليالي الحمراء» وممتلكات ومصادر ثروة، قبل أن يرد مدير «شوف تيفي» معلناً استعداده لأقصى العقوبات إذا ثبتت الاتهامات.
لكن وسط سيل المنشورات والبلاغات والردود، يبقى سؤال أبسط وأثقل من كل ما قيل: أين المسار القضائي؟
أوزين كتب على صفحته كلاماً يتجاوز النقد السياسي العادي، متحدثاً عن «فضائح» قال إن شحتان يعرفها «مع القاصرين قبل الراشدين»، وعن «الليالي الحمراء في فيلا بوسكورة»، إلى جانب أسئلة حول الثروة والممتلكات.
وهي عبارات منشورة فعلاً، لكنها لا تشكل في حد ذاتها دليلاً على صحة الوقائع التي يلمح إليها.
والأهم أن أوزين، إلى حدود المعطيات المعلنة، لم يكشف عن إحالة ما لديه من أدلة أو معطيات بشأن هذه الادعاءات على النيابة العامة. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان الأمين العام لحزب ورئيس فريق نيابي يتوفر فعلاً على وقائع مرتبطة بقاصرين أو بأفعال يرى أنها غير مشروعة، فلماذا تبقى هذه المعطيات مادة لفيسبوك بدل أن تصبح موضوع شكاية أو تبليغ رسمي؟
أما إذا كانت مجرد عبارات قيلت في سياق معركة سياسية وإعلامية، فإن السؤال يصبح أكثر إحراجاً: هل يجوز الزج بالقاصرين والحديث عن وقائع بهذه الخطورة فقط لتصفية الحسابات وتحقيق التفوق في حرب مواقع التواصل الاجتماعي؟
شحتان، من جهته، اختار رفع التحدي إلى أقصاه، وقال إنه إذا ثبتت مجرد شبهة بشأن ما وصفه هو بـ«استغلال القاصرين» أو السهرات أو الممتلكات، فإنه مستعد لأن يقدم نفسه للعدالة ويتحمل أقصى العقوبات.
غير أن إعلان الاستعداد للمحاسبة عبر رسالة منشورة موجهة إلى الرأي العام ليس هو نفسه حسم الوقائع أمام القضاء. والتحدي الإعلامي، مهما كانت قوته، لا يثبت البراءة كما لا تثبت تدوينة أوزين الإدانة.
وتقول الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، التي يرأسها شحتان، إن الأخير سبق أن وضع شكايات لدى وكلاء الملك منذ دجنبر 2025، مؤكدة أنها لم تعرف، بحسب بلاغها، المآل القضائي الذي كانت تنتظره إلى اليوم. وهنا يظهر سؤال آخر لا يقل أهمية: ما مآل هذه الشكايات؟ وهل تشمل الادعاءات الجديدة التي فجرها أوزين أم أن الأمر يتعلق بملفات سابقة؟
وتزداد المفارقة ثقلاً في اليوم نفسه الذي يستمر فيه سجال أوزين وشحتان، إذ أعلنت معطيات أمنية توقيف 61 شخصاً للاشتباه في تورطهم في التحريض والترويج لدعوات الهجرة غير النظامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وهنا يفرض السؤال نفسه: ما الذي يجعل مضموناً منشوراً في الفضاء الرقمي يقود إلى الرصد والتوقيف والبحث، بينما تبقى اتهامات علنية تتضمن حديثاً عن القاصرين معلقة بين تدوينات وردود مكتوبة على منصات التواصل؟
لا يعني ذلك أن كل تدوينة تستوجب تلقائياً فتح بحث، ولا أن النيابة العامة ملزمة بالتدخل لمجرد انتشار سجال على «فيسبوك». تقدير وجود شبهة جريمة ومسار البحث يخضعان للقانون واختصاص السلطة القضائية، كما أن عدم صدور بلاغ رسمي لا يعني بالضرورة عدم وجود إجراءات غير معلنة.
لكن عندما يصل النقاش العلني إلى القاصرين وإلى ادعاءات قد تكون لها، إذا صحت وتحددت وقائعها، أبعاد جنائية، يصبح التساؤل عن موقف النيابة العامة مشروعاً: هل تم الاطلاع على ما نشر؟ هل توجد شكاية أو وشاية بهذا الخصوص؟ وهل تستدعي الادعاءات المعلنة التحقق منها، سواء لإثباتها ومحاسبة من ارتكب أفعالاً يعاقب عليها القانون، أو لنفيها وترتيب المسؤولية عن اتهامات خطيرة إذا ثبت أنها بلا أساس؟
الأمر لم يعد مجرد معركة بين سياسي وصاحب مؤسسة إعلامية، لأن اسم «القضاء» أصبح حاضراً في كلام الطرفين، بينما الأدلة، إن وجدت، لم تظهر أمام الرأي العام، والحسم لا يزال يجري بالتدوينات والردود والبلاغات.
اتهامات من هذا الوزن لا يفترض أن تعيش على فيسبوك فإذا كان أوزين يتوفر على وقائع وأدلة، فمكانها ملف أمام القضاء لا منشوراً ينتظر التفاعل. وإذا كان شحتان يرى نفسه ضحية اتهامات تمس سمعته وتضع اسمه بجانب القاصرين، فالرد المكتوب على منصات التواصل لا يغني عن الحسم القضائي.
وبين الاتهام والرد، يبقى السؤال معلقاً أيضاً أمام النيابة العامة: هل ما ينشر مجرد خصومة رقمية، أم أن بعض ما قيل يستحق أن يعرف طريقه إلى التحقق القضائي؟
أما إبقاء الملف بين تدوينات أوزين وردود شحتان المكتوبة على منصات التواصل، فيفتح سؤالاً أكثر إحراجاً للطرفين معاً: هل يبحث أوزين وشحتان فعلاً عن الحقيقة أمام القضاء… أم أن «الحقيقة» تصلح فقط ما دامت تصنع البوز والمشاهدات؟
