بقلم: الباز عبدالإله
كشف تقرير رسمي جديد صادر عن منظمة الصحة العالمية و«اليونيسف» أرقاماً ثقيلة عن خدمات الماء والصرف الصحي والنظافة والتنظيف البيئي وتدبير نفايات الرعاية الصحية داخل المرافق الصحية بالمغرب، بينها مؤشرات تنخفض إلى مستويات لافتة، خصوصاً في الوسط القروي.
التقرير، الصادر أمس الثلاثاء 18 غشت 2026 تحت عنوان «التقدم في خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة والتنظيف البيئي وتدبير النفايات في مرافق الرعاية الصحية 2015-2025»، أعدته المنظمتان ضمن البرنامج المشترك للرصد التابع لمنظمة الصحة العالمية و«اليونيسف» (JMP)، ويقدم أحدث التقديرات القابلة للمقارنة دولياً إلى سنة 2025.
وتظهر بيانات المغرب أن 32% فقط من المرافق الصحية تستوفي معيار الخدمة الأساسية في تدبير نفايات الرعاية الصحية، مقابل 51% ضمن مستوى الخدمة المحدودة، و16% في فئة «لا توجد خدمة» وفق تعريف البرنامج.
ولا يعني المؤشر مجرد وجود حاويات للنفايات، إذ يشترط تصنيف المنشأة ضمن «الخدمة الأساسية» أن يتم فرز النفايات ومعالجتها والتخلص منها بصورة آمنة.
وتتسع الفجوة بشكل واضح بين المدن والقرى. ففي الوسط الحضري، تصل نسبة المرافق التي تستوفي المعيار الأساسي لتدبير النفايات إلى 46%، مقابل 20% فقط في الوسط القروي.
وفي الاتجاه المعاكس، توجد 7% من المرافق الحضرية ضمن فئة «لا توجد خدمة» لتدبير النفايات وفق تعريف البرنامج، بينما تقفز النسبة إلى 25% في القرى؛ أي ما يعادل تقريباً مرفقاً صحياً قروياً واحداً من كل أربعة.
لكن الرقم الأكثر حدة يظهر في التنظيف البيئي داخل المنشآت الصحية.
فحسب التقرير، لا تتجاوز نسبة المرافق الصحية المغربية التي تستوفي معيار الخدمة الأساسية للتنظيف البيئي 9% فقط، مقابل 15% بخدمة محدودة، بينما توجد 75% ضمن فئة «لا توجد خدمة» وفق التعريف المركب المعتمد.
ويشترط هذا المؤشر، للوصول إلى مستوى الخدمة الأساسية، توفر بروتوكولات للتنظيف إلى جانب تكوين العاملين المكلفين به؛ لذلك لا تعني فئة «لا توجد خدمة» بالضرورة أن المنشأة لا تُنظف مطلقاً، بل إنها لا تستوفي، وفق البيانات المعتمدة، الشروط المركبة المطلوبة للوصول إلى مستوى الخدمة الأساسية.
وتصبح الأرقام أكثر ثقلاً في العالم القروي، حيث لا تتجاوز نسبة المرافق التي تستوفي المعيار الأساسي للتنظيف البيئي 3% فقط، مقابل 16% في المدن.
كما توجد 86% من المرافق القروية ضمن فئة «لا توجد خدمة» للتنظيف البيئي وفق تعريف البرنامج، مقابل 64% في الوسط الحضري.
أما نظافة اليدين، فلا تتجاوز الخدمة الأساسية فيها 37% من المرافق الصحية المغربية، مقابل 46% بخدمة محدودة و17% دون خدمة وفق التصنيف المعتمد.
ويتطلب المعيار الأساسي وجود مرافق عملية لنظافة اليدين عند نقاط تقديم الرعاية، إضافة إلى الماء والصابون قرب المراحيض. وتصل التغطية إلى 49% في المدن، لكنها تهبط إلى 25% في القرى.
ويقدم الصرف الصحي بدوره رقماً لافتاً، إذ لا تستوفي سوى 10% من المرافق الصحية بالمغرب جميع شروط الخدمة الأساسية، مقابل 82% بخدمة محدودة و7% ضمن فئة «لا توجد خدمة».
ولا يقيس المؤشر مجرد وجود مرحاض، بل يشترط أن تكون المرافق محسنة وصالحة للاستعمال، مع مراحيض مخصصة للعاملين، وأخرى مفصولة حسب الجنس ومهيأة للنظافة أثناء الدورة الشهرية وللأشخاص ذوي الحركة المحدودة.
ويهبط مستوى الخدمة الأساسية للصرف الصحي إلى 4% فقط في الوسط القروي، مقابل 17% في المدن.
أما الماء فيمثل المؤشر الأفضل نسبياً، إذ تتوفر 81% من المرافق الصحية المغربية على خدمة مياه أساسية، مقابل 13% بخدمة محدودة و6% دون خدمة مياه وفق تعريف البرنامج.
لكن الفارق بين المدن والقرى يبقى كبيراً، إذ تصل الخدمة الأساسية للمياه إلى 95% في الوسط الحضري مقابل 68% فقط في الوسط القروي، بينما تبلغ نسبة المرافق القروية المصنفة دون خدمة مياه 11% مقابل 1% في المدن.
وتبرز الفجوة أكثر عند وضع أرقام المغرب إلى جانب المتوسطات العالمية لسنة 2025.
فعالمياً، تبلغ نسبة المرافق الصحية التي تتوفر على خدمة أساسية 85% للمياه، و72% للنظافة، و71% لتدبير النفايات، و59% للتنظيف البيئي، و40% للصرف الصحي.
وبذلك يقف المغرب عند 37% فقط في النظافة الأساسية، و32% في تدبير النفايات، و9% في التنظيف البيئي، و10% في الصرف الصحي، مقابل مستوى أفضل نسبياً في المياه عند 81%.
وتعتبر منظمة الصحة العالمية أن توفر المياه الموثوقة، والصرف الصحي القابل للاستعمال، ونظافة اليدين، والتنظيف البيئي الفعال، والتدبير الآمن للنفايات من العناصر الأساسية للرعاية الصحية الآمنة والوقاية من العدوى وحماية المرضى والعاملين الصحيين.
وتضع هذه الأرقام، خصوصاً في الوسط القروي، ورش إصلاح المنظومة الصحية أمام امتحان يتجاوز بناء المستشفيات وتأهيل البنيات إلى الشروط اليومية التي يفترض أن تضمن سلامة المريض والعامل الصحي داخل المنشأة نفسها.
غير أن قراءة المعطيات تستوجب احترازاً منهجياً مهماً، إذ تشير منظمة الصحة العالمية و«اليونيسف» إلى أن تقديرات البرنامج المشترك للرصد (JMP) أُعدت لضمان قابلية المقارنة الدولية، ولذلك فهي لا تمثل بالضرورة الإحصاءات الرسمية الوطنية للمغرب، التي قد تعتمد مصادر أو طرقاً مختلفة في الاحتساب.
لكن حتى مع هذا الاحتراز، تبقى الخلاصة ثقيلة: 3% فقط من المرافق القروية تستوفي المعيار الأساسي للتنظيف البيئي، وخُمسها فقط يستوفي معيار تدبير النفايات، وربعها فقط يصل إلى معيار النظافة الأساسية.
أرقام تضع إصلاح الصحة أمام سؤال مباشر: هل يمكن الحديث عن مرفق صحي حديث قبل ضمان الماء، ونظافة اليدين، ومراحيض مستوفية للشروط، وتنظيف وفق بروتوكول، ومسار آمن لتدبير النفايات؟
