بقلم: الباز عبدالإله
أعلنت المندوبية السامية للتخطيط، اليوم الأربعاء 19 غشت 2026، أن مؤشر أسعار الاستهلاك انخفض خلال شهر يوليوز بنسبة 1% مقارنة بشهر يونيو، في رقم قد يبدو للوهلة الأولى وكأن الضغط على جيوب المغاربة بدأ يتراجع، غير أن العودة إلى أرقام المندوبية نفسها حول أوضاع الأسر تضع هذه القراءة أمام مفارقة يصعب تجاهلها: إذا كانت الأسعار تتراجع، فلماذا تقول الغالبية الساحقة من الأسر إن مستوى معيشتها يتدهور؟
وبحسب المذكرة الجديدة التي أصدرتها المندوبية اليوم، جاء الانخفاض الشهري نتيجة تراجع أسعار المواد الغذائية بـ1.9% والمواد غير الغذائية بـ0.3%، فيما انخفضت أسعار الخضر بـ7.6%، والأسماك وفواكه البحر بـ3.9%، والفواكه بـ3.7%، واللحوم بـ1.2%، والمحروقات بـ4.9%.
ولم يكن تراجع يوليوز معزولاً، إذ يأتي بعد انخفاض مؤشر أسعار الاستهلاك بـ0.9% في ماي وبـ0.4% في يونيو، كما سجل المؤشر خلال يوليوز انخفاضاً بـ0.6% مقارنة بالشهر نفسه من سنة 2025.
هذه هي الصورة التي تقدمها مذكرة الأسعار الصادرة اليوم.
لكن المندوبية نفسها تقدم صورة أكثر تعقيداً عندما تسأل المغاربة عن مستوى معيشتهم.
فوفق أحدث معطياتها حول الظرفية لدى الأسر، اعتبرت 78.3% من الأسر المغربية أن مستوى معيشتها تدهور خلال الاثني عشر شهراً الماضية، مقابل 5.2% فقط قالت إنه تحسن.
ولا يتوقف التشاؤم عند الماضي، إذ تتوقع 51% من الأسر استمرار تدهور مستوى معيشتها خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، بينما بلغ مؤشر ثقة الأسر 60.1 نقطة.
وتزداد المفارقة وضوحاً عند الانتقال إلى أسعار المواد الغذائية، إذ سجل رصيد آراء الأسر بشأن تطورها مستوى سلبياً حاداً بلغ ناقص 97 نقطة.
ولا تعني هذه الأرقام وجود تناقض إحصائي بين تقارير المندوبية، لأن انخفاض مؤشر الأسعار خلال شهر معين لا يعني أن الأسعار أصبحت منخفضة، كما لا يعني بالضرورة استعادة الأسر للقدرة الشرائية التي فقدتها خلال سنوات من الارتفاعات المتراكمة.
بعبارة أبسط، إذا ارتفع سعر سلعة من 10 دراهم إلى 15 درهماً ثم انخفض بنسبة 1%، فإن التراجع الأخير حقيقي إحصائياً، لكن السلعة تظل أغلى بكثير مما كانت عليه قبل موجة الارتفاع.
وهذه النقطة أساسية لفهم ما تعنيه أرقام اليوم.
فالمستهلك لا يقارن فاتورته فقط بما دفعه في الشهر السابق، وإنما بما كان يدفعه قبل سنة أو سنتين أو ثلاث، وبالدخل المتاح له اليوم لتغطية الغذاء والسكن والنقل والصحة والتعليم وغيرها من النفقات اليومية.
وتظهر الضغوط المالية بصورة أوضح في أحدث معطيات المندوبية المتعلقة بالوضع المالي للأسر، حيث تفيد النتائج بأن 38.7% منها تستنزف مدخراتها أو تلجأ إلى الاقتراض لتغطية نفقاتها، بينما لا تتجاوز نسبة الأسر القادرة على الادخار 2.6%.
وهنا يصبح انخفاض أسعار الخضر أو الأسماك أو المحروقات خلال شهر واحد خبراً إيجابياً من الناحية الإحصائية، لكنه لا يكفي وحده للقول إن الأسر استعادت قدرتها الشرائية.
كما يجب التمييز بين الحركة الشهرية للمؤشر والتطورات السنوية لمكوناته، فكون المواد غير الغذائية انخفضت بـ0.3% بين يونيو ويوليوز لا يمنع وجود ارتفاعات سنوية في بعض مكوناتها، وهو ما يجعل تحديد الفترة المرجعية ضرورياً عند قراءة الأرقام ومقارنتها.
وتضع هذه المعطيات المؤسسة التي يرأسها شكيب بنموسى أمام مسؤولية تتجاوز نشر الرقم الخام إلى تفسير دلالته للرأي العام.
فالمندوبية تقول في مذكرتها الصادرة اليوم الأربعاء إن مؤشر أسعار الاستهلاك تراجع، وتقول في بياناتها المتعلقة بالأسر إن قرابة ثماني أسر من كل عشر تعتبر أن مستوى معيشتها تدهور.
الرقمان يمكن أن يكونا صحيحين في الوقت نفسه، لكن جمعهما يكشف المسافة بين تراجع الأسعار خلال فترة محدودة وبين استعادة القدرة الشرائية فعلياً.
وهنا يوجد جوهر النقاش الذي ينبغي أن يرافق أرقام اليوم الأربعاء 19 غشت: ليس السؤال فقط ما إذا كان مؤشر أسعار الاستهلاك قد انخفض بـ1% خلال يوليوز، وإنما ما إذا كان دخل الأسرة المغربية أصبح قادراً من جديد على تغطية مستوى المعيشة الذي تآكل خلال سنوات الغلاء.
أرقام المندوبية نفسها تقول إن تراجع المؤشر لم يصل بعد إلى جيوب أغلبية الأسر.
