بقلم: الباز عبدالإله
تضع وثيقة دولية جديدة المغرب أمام معادلة حضرية ثقيلة خلال العقود المقبلة، بعدما أظهرت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية «OECD» أن المدن المغربية تنطلق أصلاً من مستويات مرتفعة من الكثافة السكانية، بينما يمكن لطريقة توسعها حتى سنة 2050 أن تحدد حجم الأراضي التي ستستهلكها وكلفة إيصال السكن والنقل والبنيات التحتية والخدمات إلى سكانها.
وكشفت ورقة عمل جديدة صادرة ضمن سلسلة «West African Papers» التابعة لنادي الساحل وغرب إفريقيا بمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، اليوم الجمعة 21 غشت 2026، بعنوان «سيناريوهات الكثافة والتوسع الحضري في إفريقيا في أفق 2050»، أن متوسط الكثافة السكانية داخل التجمعات الحضرية المغربية بلغ سنة 2020 نحو 7,446 نسمة في الكيلومتر المربع.
ولا تقدم الدراسة رقماً واحداً باعتباره مستقبلاً محسوماً للمغرب، بل تبني ثلاثة سيناريوهات مختلفة إلى غاية 2050، بحسب الطريقة التي ستتطور بها كثافة المدن ومساحات تمددها.
وفي سيناريو يقوم على ارتفاع الكثافة، يمكن أن يصل المتوسط المغربي إلى نحو 7,746 نسمة في الكيلومتر المربع سنة 2050، بينما يضع سيناريو الكثافة الثابتة الرقم عند حوالي 7,207 نسمة في الكيلومتر المربع.
أما سيناريو الكثافة المنخفضة، فيخفض المتوسط إلى نحو 6,142 نسمة في الكيلومتر المربع، أي بأقل بحوالي 18 في المائة مقارنة بمستوى سنة 2020.
لكن انخفاض الكثافة في هذا السيناريو لا يعني بالضرورة تراجع الضغط على المدن، بل يعني اتساع البصمة العمرانية واستهلاك مساحات أكبر من الأراضي لاستيعاب النمو السكاني نفسه.
وهنا توجد الزاوية الأكثر أهمية بالنسبة إلى المغرب.
فالدراسة تربط بصورة مباشرة بين مستوى الكثافة والمساحة التي تحتاجها المدن لاستيعاب النمو السكاني، وتعتبر أن القرارات المتعلقة بالتخطيط الحضري يمكن أن تقلص أو توسع البصمة المكانية للنمو خلال العقود المقبلة.
بمعنى آخر، السؤال الذي سيواجه المغرب ليس فقط كم سيصبح عدد سكان مدنه سنة 2050، وإنما كم من الأرض ستحتاج إليه هذه المدن حتى تستوعب سكانها، وبأي كلفة؟
وتكتسب هذه المسألة ثقلاً أكبر بالنظر إلى الموقع الذي يحتله المغرب أصلاً داخل الخريطة الحضرية الإفريقية.
فالوثيقة تضع المغرب والجزائر ضمن نماذج شمال إفريقيا التي تتميز بتاريخ طويل من الاستقرار الحضري وبمستويات مرتفعة من الكثافة، وهو ما يجعل هامش زيادة الكثافة داخل عدد من المدن أقل من مناطق إفريقية أخرى تنطلق من مستويات حضرية أدنى.
وتبرز الدار البيضاء بصورة لافتة داخل البيانات التي اعتمدتها الدراسة.
فبحسب أرقام سنة 2020 الواردة في الوثيقة، بلغ عدد سكان التجمع الحضري للدار البيضاء حوالي 4.87 ملايين نسمة، موزعين على مساحة حضرية تقدر بنحو 474 كيلومتراً مربعاً، ما رفع كثافتها إلى قرابة 10,288 نسمة في الكيلومتر المربع.
وبهذه الأرقام، صنفت الدراسة الدار البيضاء في المرتبة الخامسة عشرة ضمن أكبر التجمعات الحضرية الإفريقية سنة 2020.
الأرقام تفتح نقاشاً يتجاوز الديمغرافيا إلى السياسات العمومية نفسها، لأن المدينة التي تتمدد أفقياً تحتاج إلى مد طرق وشبكات ماء وكهرباء وتطهير ونقل عمومي وخدمات صحية وتعليمية على مساحة أوسع.
وكلما ابتعد السكن عن مراكز الشغل والخدمات، أصبحت مسألة التنقل أكثر ثقلاً على الأسر وعلى السلطات المسؤولة عن تجهيز المجال الحضري.
لهذا تصف دراسة OECD الكثافة بأنها إحدى الرافعات التي يمكن للسياسات الحضرية التأثير من خلالها في الشكل المكاني للنمو، بدل التعامل معها باعتبارها نتيجة ديمغرافية لا يمكن التحكم فيها.
وبالنسبة إلى المغرب، يأتي هذا النقاش في لحظة تعرف فيها المدن الكبرى توسعاً عمرانياً متواصلاً، بالتزامن مع استثمارات ضخمة في النقل والبنيات التحتية والسكن وإعادة تأهيل المجالات الحضرية.
لكن وثيقة OECD تضع خلف هذه الأوراش سؤالاً أبعد زمنياً: هل سيستمر النمو داخل نسيج حضري أكثر كثافة وترابطاً، أم ستتجه المدن نحو الانتشار فوق مساحات أوسع؟
الفرق بين الخيارين لا يتعلق بالشكل العمراني وحده.
فالتوسع منخفض الكثافة يمكن أن يعني الحاجة إلى أراضٍ إضافية، ومسافات أطول للتنقل، وشبكات أكثر امتداداً، وبالتالي كلفة أكبر لتوفير بعض الخدمات الأساسية وربط الأحياء الجديدة ببقية المدينة.
في المقابل، لا يمثل رفع الكثافة حلاً تلقائياً بدوره، لأن تكثيف السكان دون استثمارات موازية في النقل والمساحات العامة والمدارس والمستشفيات وشبكات الماء والتطهير قد ينقل المشكلة من التمدد الأفقي إلى الضغط داخل المجال الحضري نفسه.
لهذا لا تقدم الدراسة وصفة جاهزة للمغرب، وإنما تضع أمام صناع القرار ثلاثة مسارات محتملة، وتبين أن القرارات التي تتخذ اليوم بشأن استعمال الأرض والتعمير والكثافة ستترك آثاراً تمتد لعقود.
وتكمن أهمية الأرقام الجديدة في أنها تحول النقاش حول المدن المغربية من سؤال المشاريع الحالية إلى سؤال أكثر استراتيجية يتعلق بشكل المدينة التي سيعيش فيها المغاربة بعد ربع قرن.
فبين متوسط يبلغ 7,446 نسمة في الكيلومتر المربع سنة 2020، وسيناريو قد يخفض الكثافة إلى 6,142 نسمة بحلول 2050، لا يتعلق الفارق بأرقام مجردة بقدر ما يتعلق بمساحة المدن وكلفة تجهيزها وطريقة تنقل سكانها وموقع السكن بالنسبة إلى العمل والخدمات.
وبذلك تضع وثيقة OECD المغرب أمام سؤال تخطيطي يصعب تأجيله:
إذا كانت المدن المغربية ستواصل النمو، فهل سيُدار هذا النمو داخل مدن أكثر تنظيماً وكفاءة، أم سيدفع المغاربة مستقبلاً فاتورة تمدد عمراني أكبر؟
