بقلم: الباز عبدالإله
لم تأت دعوة فاطمة الزهراء المنصوري إلى «مصالحة حقيقية» بين الشباب والمجتمع والمؤسسات من صفوف المعارضة، بل صدرت عن وزيرة في الحكومة ومنسقة للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، أحد الأحزاب الثلاثة التي تدبر الأغلبية منذ 2021، وذلك خلال لقاء تواصلي نظمه الحزب بقرية با محمد بإقليم تاونات، أمس الجمعة، وهو ما يمنح تصريحها حول أزمة الثقة بعد أحداث سبتة وزناً سياسياً يتجاوز حدود لقاء حزبي محلي.
وقالت المنصوري، خلال اللقاء ذاته بقرية با محمد، إن ما جرى هذا الصيف في سبتة «ليس قضية هجرة أو مسألة أمنية، بل قضية ثقة بين الشباب ومجتمعه وبين الشباب ومؤسساته»، قبل أن تقر بأن «المغرب يسير بسرعتين» هو واقع قائم، وتضع التشغيل والتكوين والتأطير والعدالة المجالية ضمن مداخل استعادة هذه الثقة.
لكن حديث قيادية في الأغلبية عن فقدان الشباب للثقة ليس مجرد توصيف سياسي.
فأرقام حديثة لـ«Afrobarometer» تجعل الأزمة قابلة للقياس: نحو 33 في المائة فقط من المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 سنة قالوا إنهم يثقون «إلى حد ما» أو «كثيراً» في أحزاب الأغلبية، والنسبة نفسها تقريباً بالنسبة إلى أحزاب المعارضة، بينما لم تتجاوز الثقة في البرلمان 37 في المائة، وفي المجالس الجماعية 34 في المائة، وفي رئيس الحكومة 33 في المائة.
الأكثر حساسية أن الاستطلاع نفسه سجل أن الشباب أكثر ميلاً من الفئات الأكبر سناً إلى رؤية الفساد داخل المؤسسات السياسية؛ إذ اعتبر 33 في المائة منهم أن بعض أو أغلب المستشارين الجماعيين متورطون في الفساد، وبلغت النسبة 32 في المائة بالنسبة إلى البرلمانيين، و27 في المائة بالنسبة إلى مسؤولين في رئاسة الحكومة.
وهذه الأرقام لا تثبت أن ملفاً سياسياً بعينه تسبب في تراجع الثقة، لكنها تكشف أن حديث المنصوري عن «أزمة الثقة» يجد أمامه أرضية اجتماعية وسياسية قابلة للقياس.
المفارقة أن المنصوري نفسها وصلت إلى خطاب «المصالحة» بعد أشهر قليلة من عودة اسمها إلى واجهة نقاش حول العلاقة بين المسؤولية السياسية والمصالح الخاصة.
فقد خصص موقع «Le Desk»، خلال ماي ويونيو 2026، سلسلة تحقيقات صحفية حصرية لملف أراضي عائلة المنصوري في تسلطانت بضواحي مراكش، طرح من خلالها أسئلة بشأن احتمال تعارض المصالح بين الملكية العقارية للعائلة وبين الصلاحيات المرتبطة بالتعمير التي تمارسها المنصوري بصفتها وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة.
وذهب «Le Desk» في الجزء الثالث من تحقيقه، استناداً إلى وثائق قال إنه اطلع عليها، إلى أن مشروعاً للمخطط التوجيهي للتهيئة العمرانية لمراكش الكبرى كان يصنف أراضي بتسلطانت ضمن منطقة فلاحية محمية، وأن تعطيل المشروع أو تأخيره كان، وفق استنتاج التحقيق، يخدم مصالح عقارية للعائلة.
وتظل هذه خلاصات تحقيق صحفي وأسئلة طرحها المصدر، وليست حكماً قضائياً أو إدانة مثبتة في حق المنصوري.
وكانت المنصوري قد ردت على مزاعم مرتبطة بأراضي العائلة منذ يوليوز 2025، نافية وجود استغلال للنفوذ أو استفادة غير قانونية.
وقالت، وفق ما نقلته «Médias24»، إن الأراضي موروثة عن والدها الذي اقتناها من خواص سنة 1978، وإنها ليست من أملاك الدولة ولا من الأراضي الجماعية، وإن عمليات البيع صُرح بها لدى إدارة الضرائب.
كما أكدت أن الأراضي تقع بتسلطانت وأن تصميم التهيئة الذي تخضع له المنطقة أُقر سنة 2017، عندما لم تكن، بحسب قولها، لا عمدة لمراكش ولا وزيرة، فيما أعلنت العائلة اللجوء إلى القضاء ضد ناشري معطيات اعتبرتها محرفة للوقائع.
غير أن أزمة صورة السياسة لا تتوقف عند الجدل المرتبط بالمنصوري.
فحزب الأصالة والمعاصرة نفسه عاش واحدة من أثقل القضايا القضائية التي مست قيادات سياسية خلال السنوات الأخيرة.
ففي 25 يونيو 2026 قضت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء بسجن سعيد الناصري عشر سنوات، وعبد النبي بعيوي اثنتي عشرة سنة، في الملف المعروف إعلامياً بـ«إسكوبار الصحراء»، بعدما كان الرجلان من أبرز وجوه الحزب والمنتخبين باسمه.
كما قضت المحكمة بعشر سنوات سجناً في حق البرلماني السابق عن الحزب بلقاسم مير. وهي أحكام ابتدائية تظل خاضعة لطرق الطعن القانونية.
وكان «البام» قد أعلن منذ دجنبر 2023 تجميد عضوية الناصري وبعيوي، مؤكداً أن مناضليه لا يتمتعون بأي امتياز أمام القانون وأن الحزب سيحترم ما ينتهي إليه القضاء.
إلا أن الأحكام الصادرة في يونيو 2026 أعادت الملف إلى الواجهة في توقيت انتخابي حساس، وجعلت الحزب الذي يتحدث اليوم عن إعادة بناء الثقة يحمل معه أيضاً إرث قضية قضائية ارتبطت بأسماء كانت تشغل مواقع انتخابية وازنة داخله.
ولا يتعلق الأمر بحزب الأصالة والمعاصرة وحده. ففي 21 ماي 2026 أدانت غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال بالدار البيضاء الوزير السابق والرئيس السابق لجماعة الفقيه بنصالح محمد مبديع، المنتمي إلى الحركة الشعبية، بـ13 سنة سجناً نافذاً، مع مصادرة مبلغ يقارب 30 مليون درهم، في ملف مرتبط بتدبير المال العام والصفقات الجماعية. والحكم بدوره ابتدائي وقابل للطعن، لكنه يضيف مثالاً آخر إلى سلسلة ملفات أصبح فيها المنتخب والمسؤول السياسي حاضراً أمام الرأي العام من بوابة المحاكم وجرائم الأموال بدل البرامج والتنافس السياسي.
هنا تصبح تصريحات المنصوري في قرية با محمد بإقليم تاونات أكثر من مجرد خطاب حزبي عن الشباب.
فعندما تقول وزيرة في الأغلبية إن هناك أزمة ثقة بين الشباب ومجتمعهم ومؤسساتهم، فإن الأرقام تمنح كلامها سنداً واضحاً، لكن المشهد السياسي نفسه يقدم جزءاً من تفسير المناخ الذي تتحدث عنه: تحقيقات صحفية تطرح أسئلة حول تعارض المصالح، وأحكام قضائية ثقيلة في حق منتخبين وقيادات حزبية، وجدالات متكررة حول النفوذ والمال والولوج إلى المواقع والفرص.
استعادة الثقة، بهذا المعنى، لا تتوقف عند مطالبة الشباب بالمصالحة مع السياسة، بل تضع الأحزاب نفسها أمام امتحان أكثر صعوبة: نوعية الأشخاص الذين تمنحهم التزكيات، وطريقة تدبير حالات تعارض المصالح، وسرعة قطع الصلة بالمنتخبين الذين تلاحقهم قضايا خطيرة، ووضوح قواعد المحاسبة داخل التنظيمات قبل أن تصل الملفات إلى القضاء.
وحين تكشف الأرقام أن نحو الثلث فقط من الشباب يثق في أحزاب الأغلبية، فإن سؤال الثقة لا يعود موجهاً إلى الشباب وحده، بل إلى السياسة نفسها: ماذا فعلت الأحزاب والمؤسسات حتى أصبح استرجاع ثقة جيل كامل واحداً من أكبر التحديات التي تعترف بها اليوم وزيرة من قلب الأغلبية؟
