بقلم: الباز عبدالإله
قال مصطفى بايتاس، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار والوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة، أمس الجمعة 21 غشت 2026، خلال لقاء تواصلي نظمه الحزب بإقليم اشتوكة آيت باها، إن «الأحرار» ليس حزباً يخوض السياسة بمنطق «الأمتار الأخيرة»، وإنما تنظيماً يشتغل على امتداد خمس سنوات، معتبراً أن ثقة المواطنين تُبنى بالعمل المتواصل والنتائج المحققة على أرض الواقع.
وشدد بايتاس، خلال اللقاء نفسه، على أن حزبه اختار ممارسة سياسية قائمة على القرب من المواطنين والاحتكام إلى البرامج والنتائج، بعيداً عما وصفه بالتحركات الظرفية المرتبطة بالمواعيد الانتخابية.
غير أن العودة إلى السنوات الخمس نفسها تفتح باباً مختلفاً للسؤال، إذ لم يخلُ المسار السياسي والتواصلي لبايتاس من وقائع أثارت جدلاً واسعاً؛ بعضها مسّ مباشرة صورة الحزب في علاقته بالعمل الإحساني والمنتخبين، وبعضها الآخر وضع دقة الأرقام والمعطيات التي يقدمها الناطق الرسمي باسم الحكومة تحت المجهر.
أبرز هذه الوقائع انفجرت في مارس 2025 بسيدي إفني، عندما انتشرت صور لشاحنة تابعة لجماعة تيوغزة مركونة أمام منزل يعود لأسرة بايتاس. رئيس الجماعة أكد آنذاك لـ«اليوم24» أن المنزل يعود فعلاً لأسرة الوزير، لكنه نفى علاقة الجماعة بمؤسسة «جود»، بعدما ربط نشطاء الشاحنة بمساعدات المؤسسة التي أثارت أنشطتها وعلاقتها المفترضة بالتجمع الوطني للأحرار جدلاً سياسياً، وهي علاقة نفاها بايتاس لاحقاً.
القضية اكتسبت بعداً أكبر عندما وُجّه السؤال مباشرة إلى بايتاس خلال الندوة الصحافية التي أعقبت مجلس الحكومة، لكنه اختار عدم الدخول في تفاصيلها، مكتفياً بالقول إن القضايا ذات الطبيعة السياسية سيأتي «الفضاء الأمثل» للتفاعل معها. وبعد ذلك، نفى صلة حزب الأحرار بمؤسسة «جود»، كما أوضح أن المنزل موضوع الجدل ليس في ملكيته الشخصية.
وفي الفترة نفسها، وجّه عامل إقليم سيدي إفني مراسلة إلى رؤساء الجماعات حذّر فيها من استعمال سيارات وآليات الجماعات في أغراض سياسية أو انتخابية، بعدما تحدث عن تسجيل مثل هذه الممارسات بالإقليم. ولا تثبت المراسلة في حد ذاتها مسؤولية بايتاس عن واقعة الشاحنة، لكنها نقلت النقاش من صور متداولة على شبكات التواصل إلى سؤال أوسع حول الحدود الفاصلة بين الوسائل العمومية والعمل السياسي.
وقبل ذلك بعامين، وجد بايتاس نفسه في قلب جدل مختلف بعد عودته من الحج سنة 2023، حين استقبل في سيدي إفني منتخبين وأعياناً وبرلمانيين وشخصيات محلية، وتلقى منهم رؤوساً من الإبل كهدايا. وتحدثت تقارير إعلامية حينها عن عدد تراوح بين 67 و70 رأساً.
الواقعة فجرت نقاشاً سياسياً وأخلاقياً حول الهدايا التي يمكن أن يتلقاها مسؤول حكومي من منتخبين وأعيان، إلى درجة أن أصواتاً سياسية طالبت بوضع قواعد أكثر وضوحاً بشأن هدايا المسؤولين. وفي المقابل، أفادت تقارير بأن بايتاس قرر توزيع الإبل والهدايا على مدارس عتيقة ومؤسسات خيرية وجمعيات لكفالة اليتيم.
غير أن إنهاء الجانب المادي من القضية لم يُنهِ السؤال السياسي الذي خلفته: أين تنتهي المجاملة الاجتماعية المحلية وأين تبدأ حساسية الموقع الحكومي والسياسي لمن يتلقاها؟
أما أكثر الملفات التصاقاً بصورة بايتاس باعتباره ناطقاً رسمياً باسم الحكومة، فظل ملف الأسعار والأرقام.
سنة 2023 دخل في مواجهة علنية مع عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، بعدما اتهمه الأخير بعدم قول الحقيقة للمغاربة بسبب حديثه عن وصول سعر الطماطم في سوق الجملة بإنزكان إلى درهمين، وتصريحه بأنه اقتنى اللحم بسعر 75 درهماً للكيلوغرام.
بايتاس عاد بوثيقة قال إنها تثبت أن السعر الأدنى للطماطم في سوق إنزكان بلغ درهمين في التاريخ الذي كان يتحدث عنه، وبالتالي قدم سنداً لدفاعه في هذه النقطة، لكنه أقر بأن واقعة شرائه اللحم بـ75 درهماً لا يملك عليها شاهداً سوى البائع الذي اقتنى منه اللحم.
وقبل ذلك، في فبراير 2022، أثار تصريحه بشأن دعم الخبز مواجهة مع الفيدرالية المغربية للمخابز والحلويات. بايتاس تحدث عن حوالي 50 مليار سنتيم شهرياً تُخصص للحفاظ على السعر المرجعي للخبز عند 1.20 درهم، بينما ردت الفيدرالية بأن المخابز نفسها لا تتلقى دعماً عمومياً مباشراً لهذا الغرض، وأن الدعم يمر عبر منظومة دعم الدقيق والمطاحن، معتبرة أن الطريقة التي قُدمت بها المعلومة قد تعطي انطباعاً غير دقيق لدى المواطنين.
ولم يتوقف الجدل حول لغة الأرقام عند السنوات الأولى من الولاية.
خلال أكتوبر 2025، وجد الناطق الرسمي نفسه مضطراً إلى توضيح تصريح أثار نقاشاً بشأن الأجور، وأقر خلال ظهور تلفزيوني بأن تعبيراً ورد في كلامه «سقط سهواً»، موضحاً أنه كان يقصد متوسط الأجور في القطاع العام وليس الحد الأدنى، ومشدداً على أن الخطأ وارد في التواصل البشري.
جاء ذلك في سياق سياسي واجتماعي بالغ الحساسية، عرف تصاعد مطالب شبابية مرتبطة بالصحة والتعليم والشغل ومحاربة الفساد، ما جعل قدرة الحكومة على التواصل مع المواطنين جزءاً من النقاش نفسه، وليس مجرد تفصيل تقني في عمل الناطق الرسمي.
لهذا، حين يؤكد بايتاس، من اشتوكة آيت باها، أن التجمع الوطني للأحرار لا يمارس السياسة بمنطق «الأمتار الأخيرة»، فإن العبارة لا تقف وحدها باعتبارها شعاراً حزبياً، بل تستدعي حكماً على خمس سنوات كان هو نفسه أحد أبرز وجوهها.
السؤال هنا ليس جنائياً، ولا تعني الوقائع السابقة وجود إدانة قضائية أو ثبوت جرائم في حق الوزير، وإنما يتعلق بالمسافة بين الخطاب والممارسة: هل يستطيع حزب يقول إنه بنى علاقته بالمواطنين على البرامج والنتائج فقط أن يتجاوز بسهولة جدل شاحنة جماعية أمام منزل أسرة أحد أبرز قيادييه؟ وهل تنسجم صورة السياسة القائمة على النتائج مع سنوات اضطر فيها ناطق الحكومة مراراً إلى الدفاع عن أرقام الأسعار والأجور أو توضيحها؟
بايتاس قال، أمس الجمعة 21 غشت 2026، إن المواطنين قادرون على تقييم حجم المجهود المبذول والمنجزات المحققة.
وقد تكون هذه تحديداً العبارة الأكثر دقة في خطابه.
لأن تقييم خمس سنوات لا يبدأ من الكلام الذي يُقال في الأمتار الأخيرة، بل من كل ما جرى منذ خط البداية.
