بقلم: الباز عبدالإله
وضع البنك الدولي منظومة المغرب لمواجهة الكوارث الطبيعية تحت الضوء من جديد، بعدما كشف، في حصيلة نشرها أمس الجمعة 21 غشت 2026، أن المملكة موّلت بين 2016 و2025 أكثر من 300 مشروع للحد من مخاطر الكوارث بقيمة تجاوزت 408 ملايين دولار، أي ما يعادل تقريباً 377 مليار سنتيم وفق سعر الصرف الحالي، بينما أعادت فيضانات بداية 2026 فتح أسئلة حول نجاعة الوقاية والعدالة المجالية في الوصول إلى الحماية والدعم.
ويقدم البنك الدولي التجربة المغربية باعتبارها نموذجاً متقدماً إقليمياً في الانتقال من التدخل بعد وقوع الكارثة إلى منع الخسائر قبل حدوثها، مؤكداً أن المشاريع الهيكلية المنجزة إلى حدود مارس 2025 وفرت الحماية لنحو 700 ألف شخص، فيما استفاد أكثر من 36 مليوناً من التدابير المرتبطة بخرائط المخاطر والإنذار والاستعداد للكوارث.
لكن المؤسسة الدولية وضعت إلى جانب هذه الحصيلة أرقاماً تكشف حجم الاختبار الذي واجهته المنظومة بعد ذلك بأشهر.
فبعد فيضانات آسفي في دجنبر 2025، التي خلفت ما لا يقل عن 37 قتيلاً، شهد شمال المغرب خلال يناير وفبراير 2026 فيضانات شديدة قال البنك الدولي إنها أدت إلى نزوح أكثر من 180 ألف شخص.
وبحسب رئاسة الحكومة، أدت الاضطرابات الجوية إلى إجلاء نحو 188 ألف شخص وغمرت أكثر من 110 آلاف هكتار، قبل إطلاق برنامج استثنائي للمساعدة والدعم بميزانية توقعية تبلغ ثلاثة مليارات درهم.
غير أن تصنيف «المناطق المنكوبة» شمل جماعات تابعة لأربعة أقاليم اعتبرتها الحكومة الأكثر تضرراً، هي العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان، ليفتح ذلك نقاشاً حول مناطق أخرى سجلت بدورها أضراراً ولم تدخل ضمن التصنيف نفسه.
ووصل الملف إلى مجلس النواب، حيث ساءلت النائبة فاطمة التامني وزارة الداخلية عن عدم إدراج تازة وشفشاون وتاونات والحسيمة ووزان ضمن المناطق المنكوبة، مستندة إلى ما قالت إنها خسائر أصابت الممتلكات والبنيات التحتية والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للسكان.
وفي شفشاون، أثير الملف مجدداً بسؤال برلماني مستقل حول معايير تحديد المناطق المستفيدة من البرنامج الاستثنائي، بعدما تحدثت النائبة سلوى البردعي عن أضرار طالت دواوير وطرقاً ومساكن وبنيات فلاحية.
كما طُرح وضع تاونات أمام الحكومة بعد تسجيل عزل دواوير وانهيار منازل وانقطاع طرق وخسائر فلاحية، في سؤال طالب بتوضيح أسباب عدم تصنيف الإقليم ضمن المناطق المنكوبة.
ولم يبق النقاش محصوراً داخل البرلمان.
فالمجلس الوطني لحقوق الإنسان ثمّن إعلان الأقاليم الأربعة مناطق منكوبة، وأشاد بعمليات الإجلاء الاستباقي التي ساهمت في حماية الأرواح، لكنه دعا في الوقت نفسه إلى أخذ الحالات الصعبة والمنازل المنهارة الموجودة خارج النطاق الجغرافي للمناطق المصنفة بعين الاعتبار، في ارتباط مباشر بمبدأ العدالة المجالية.
كما سجلت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، رغم إشادتها بجوانب من التدخل الاستباقي، تحديات مرتبطة بالوقاية والتنسيق والتواصل الرسمي، وأثارت بدورها وضع مناطق متضررة بقيت خارج تصنيف المناطق المنكوبة.
وتزداد حساسية الملف لأن المساءلة لم تتوقف عند التعويضات بعد الكارثة، بل وصلت إلى مشاريع الوقاية نفسها، بعدما طُرحت على وزارة التجهيز والماء أسئلة برلمانية حول تعثر تنفيذ بعض مخططات الحماية من الفيضانات والأسباب التقنية أو المالية أو الإدارية التي تحول دون استكمالها في الآجال المحددة.
وهنا تكتسب حصيلة البنك الدولي دلالتها السياسية.
فحين تتحدث مؤسسة دولية عن أكثر من 408 ملايين دولار ومئات المشاريع وعشرات الملايين من المستفيدين، بينما يناقش البرلمان تعثر مخططات للحماية واستثناء أقاليم أُثير تضررها من تصنيف المناطق المنكوبة، يصبح السؤال أقل ارتباطاً بوجود الأموال والمشاريع وأكثر ارتباطاً بمكان تنفيذها ومدى وصولها إلى المجالات الأكثر هشاشة.
ولا تعني هذه الانتقادات أن منظومة الوقاية لم تعمل خلال فيضانات 2026، إذ ساهمت عمليات الإجلاء الاستباقي في حماية السكان، لكن نجاح التدخل أثناء الخطر لا يلغي سؤال الوقاية قبله، ولا سؤال ما إذا كانت منشآت الحماية وأنظمة الإنذار تصل إلى مختلف المناطق المهددة بالمستوى نفسه.
ويقول البنك الدولي إن المغرب أحدث مديرية دائمة لتدبير مخاطر الكوارث، واعتمد استراتيجية وطنية للفترة 2020-2030، فيما أصبح نظام التأمين ضد الكوارث يغطي قرابة 20 مليون شخص، كما يوفر نظام للإنذار المبكر من الفيضانات الحماية لنحو 240 ألف شخص في أربع مناطق عالية الخطورة.
لكن المؤسسة نفسها تضع ضمن الأوراش المقبلة توسيع أنظمة الإنذار المبكر، وتعزيز صمود البنيات التحتية، وتحسين جاهزية السلطات المحلية، وتوسيع التخطيط القائم على تقييم المخاطر.
وبين نحو 377 مليار سنتيم من المشاريع الوقائية، وثلاثة مليارات درهم لمعالجة آثار فيضانات 2026، وأكثر من 180 ألف نازح، وأسئلة برلمانية عن أقاليم بقيت خارج تصنيف «المناطق المنكوبة»، ينتقل النقاش من حجم الأموال المرصودة إلى السؤال الأكثر حساسية: هل تصل الحماية إلى المناطق الأكثر عرضة للخطر قبل أن يتحول المطر إلى كارثة؟
