بقلم: الباز عبدالإله
أدخل اتفاق محدث بين المغرب والاتحاد الأوروبي ترتيبات مفصلة لمراقبة الأموال الموجهة إلى برنامج «PRIMA»، محدداً بصورة مباشرة كيفية إجراء عمليات التدقيق والتحقق، وصولاً إلى التفتيش الميداني داخل المملكة، والتعاون القضائي عندما يتعلق الأمر بحماية المصالح المالية للاتحاد الأوروبي.
الاتفاق، المنشور رسمياً في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي اليوم الاثنين 5 أكتوبر 2026 تحت الرقم 2026/2218، يعدل ويكمل اتفاق التعاون العلمي والتكنولوجي بين المغرب والاتحاد الأوروبي بشأن مشاركة المملكة في «الشراكة من أجل البحث والابتكار في منطقة البحر الأبيض المتوسط»، المعروفة اختصاراً بـPRIMA.
وكان مجلس الاتحاد الأوروبي قد اعتمد في 17 فبراير 2026 قرار السماح بتوقيع الاتفاق وتطبيقه المؤقت، قبل توقيعه فعلياً في 27 مارس 2026، ثم موافقة البرلمان الأوروبي على إبرامه في 8 يوليو، واعتماد مجلس الاتحاد قرار الإبرام في 24 شتنبر، وصولاً إلى نشره رسمياً اليوم.
الرقابة التي ينظمها الاتفاق لا تمتد إلى مجموع الصفقات العمومية أو المال العام بالمغرب، بل تنحصر في الأعمال غير المباشرة الممولة من الاتحاد الأوروبي في إطار PRIMA.
غير أن الملحق الجديد يكشف نطاقاً واسعاً من أدوات التحقق، يشمل الحالات التي يجري فيها تفويض تنفيذ المشروع كلياً أو جزئياً، أو إبرام عقود مرتبطة به، أو تقديم دعم مالي إلى أطراف ثالثة.
السلطات المغربية تلتزم، وفق النص، بتقديم المساعدة اللازمة لإجراء عمليات التدقيق والمراجعة والتحقق من النفقات وتسهيل المهام المرتبطة بها، فيما حدد الاتفاق وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار باعتبارها الجهة المغربية المختصة بتيسير هذه العمليات، على أن تزودها مؤسسة PRIMA بالمعلومات الأساسية المتعلقة بمهام الرقابة.
صياغة الاتفاق تميز بوضوح بين عمليات التدقيق والمراجعة والتحقق من جهة، وعمليات المراقبة والتفتيش الميداني التي يجريها المكتب الأوروبي لمكافحة الغش «OLAF» من جهة ثانية.
بالنسبة إلى الفئة الأولى، ينص الملحق على أن إخبار السلطات المغربية لا يشكل شرطاً قانونياً مسبقاً لإجراء التدقيق أو المراجعة أو التحقق، كما يمكن استمرار هذه العمليات حتى بعد انتهاء الاتفاق أو انتهاء القرار الأوروبي المنظم للبرنامج، إذا ظل ذلك ضرورياً لتنفيذ الالتزامات المرتبطة بـPRIMA.
الأمر يصبح أكثر حساسية عند الانتقال إلى حماية المصالح المالية للاتحاد الأوروبي.
فالملحق يلزم السلطات المغربية بتقديم المساعدة الضرورية للتحقيقات التي يجريها «OLAF»، بما في ذلك المشاريع التي جرى تفويض تنفيذها أو التي تتضمن عقوداً أو دعماً مالياً لأطراف ثالثة، مع احترام القانون المغربي.
الاتفاق يحدد كذلك كيفية تنفيذ التفتيش داخل المملكة. فالمكتب الأوروبي يعد ويجري عمليات المراقبة والتفتيش الميداني في المغرب بتعاون وثيق مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، ويلتزم بإبلاغها مسبقاً بموضوع العملية وغرضها وأساسها القانوني، حتى تتمكن السلطات المغربية من تقديم المساعدة اللازمة، كما يمكن لموظفي الجهة المغربية المختصة المشاركة في هذه العمليات بطلب منها.
الملحق يذهب أبعد من ذلك في حالة مقاومة التفتيش. فإذا رفض مشارك في مشروع ممول أو شخص اعتباري قائم بالمغرب الخضوع لمراقبة أو تفتيش ميداني، يتعين على السلطات المغربية، وفق القانون الوطني، تقديم المساعدة اللازمة لموظفي المكتب الأوروبي حتى يتمكنوا من تنفيذ العملية بفعالية ومن دون تأخير غير مبرر، وفي تعاون وثيق مع الجهات الوطنية المختصة.
المغرب يستطيع أيضاً، إذا رغب، إجراء عمليات التفتيش بصورة مشتركة مع المكتب الأوروبي، بينما يلتزم الأخير بإبلاغ السلطات المغربية بنتائج عملياته في الوقت المناسب حتى تتمكن من اتخاذ ما تراه لازماً وفق القانون المغربي.
الرقابة لا تنتهي عند حدود التفتيش الإداري والمالي، فالملحق ينظم كذلك التعاون في المسائل القضائية مع النيابة العامة الأوروبية «EPPO»، من خلال تقديم وتبادل المساعدة القانونية وفق الاتفاقيات الدولية والثنائية والقانون المغربي، عندما يتعلق الأمر بجرائم تمس المصالح المالية للاتحاد الأوروبي وتقع ضمن اختصاص هذه النيابة.
ويفرض الاتفاق أيضاً تبادل المعلومات بشأن المخالفات المشتبه فيها أو المثبتة التي تصل إلى علم الطرفين والمتعلقة بإبرام أو تنفيذ اتفاقيات المنح والعقود المرتبطة بالمشاريع غير المباشرة، مع إحاطة «OLAF» بها عند الاقتضاء، مقابل قواعد خاصة بسرية المعلومات وحصر استعمالها في حماية المصالح المالية المعنية.
قراءة الاتفاق باعتباره منحاً لأول مرة لصلاحيات رقابية أوروبية داخل المغرب لن تكون دقيقة.
فاتفاق سنة 2018 كان ينص أصلاً على التزام الطرفين بتقديم المساعدة اللازمة لتطبيق مقتضيات القرار الأوروبي المنظم لـPRIMA والمتعلقة بحماية المصالح المالية للاتحاد، كما نص على وضع ترتيبات تفصيلية للمساعدة بين الطرفين.
الجديد في اتفاق 2026 يتمثل أساساً في إدماج ترتيبات المساعدة والرقابة بصورة مفصلة ومباشرة داخل الاتفاق وملحقه، مع تحديد الجهة المغربية المختصة، وإجراءات الإشعار والتفتيش، وكيفية التعامل مع مقاومة العمليات الميدانية، وتبادل المعلومات، والتعاون مع النيابة العامة الأوروبية.
التعديل يأتي بالتوازي مع تمديد الإطار الأوروبي لـPRIMA ضمن برنامج «Horizon Europe» إلى غاية 31 دجنبر 2031، مع استمرار المغرب ضمن الدول المشاركة في الشراكة، بينما توضح الوثائق الأوروبية أن تحديث القواعد المالية استدعى إدراج ترتيبات المساعدة المتبادلة بصورة كاملة داخل الاتفاق.
المعطى الأبرز الذي تكشفه الوثيقة لا يتمثل في وجود تحقيق أوروبي جارٍ حالياً داخل المغرب، لأن النص لا يعلن عن أي تحقيق أو عملية تفتيش بعينها، بل في وجود إطار قانوني وتنفيذي مفصل يسمح، عند توفر الشروط المرتبطة بحماية الأموال الأوروبية، بالانتقال من مراجعة الوثائق والحسابات إلى المراقبة والتفتيش الميداني داخل المملكة.
دائرة الرقابة يمكن أن تتجاوز المستفيد المباشر من التمويل لتشمل، ضمن الشروط المحددة في البرنامج، عقوداً وأطرافاً ثالثة مرتبطة بتنفيذ المشروع، ما يجعل تتبع مسار الأموال والعقود جزءاً مباشراً من منظومة حماية المصالح المالية للاتحاد الأوروبي.
هذه التفاصيل تطرح سؤالاً يتجاوز برنامج PRIMA نفسه: إلى أي حد أصبحت الجهات الممولة دولياً تفرض على المشاريع المنجزة بالمغرب مستوى من التدقيق والتتبع يصل إلى الميدان، وقد يمتد عند توفر الشروط القانونية إلى مسار قضائي أوروبي، بينما لا يعرف الرأي العام بالضرورة المستوى نفسه من التفاصيل بشأن آليات الرقابة الداخلية؟
الاتفاق لا يقدم جواباً سياسياً عن هذا السؤال، لكنه يضع قاعدة قانونية واضحة: الأموال الأوروبية الموجهة إلى مشاريع PRIMA بالمغرب يمكن أن تخضع للتدقيق والمراجعة والتحقيق والمراقبة والتفتيش الميداني، وأن يمتد الملف عند توفر الشروط القانونية إلى التعاون مع النيابة العامة الأوروبية، وكل ذلك وفق آليات محددة مسبقاً وبتعاون مع السلطات المغربية نفسها.
#المغرب #الاتحاد_الأوروبي #PRIMA #OLAF #النيابة_العامة_الأوروبية #المال_العام #الصفقات #الرقابة #الشفافية #CrashSiyasi
أدخل اتفاق محدث بين المغرب والاتحاد الأوروبي ترتيبات مفصلة لمراقبة الأموال الموجهة إلى برنامج «PRIMA»، محدداً بصورة مباشرة كيفية إجراء عمليات التدقيق والتحقق، وصولاً إلى التفتيش الميداني داخل المملكة، والتعاون القضائي عندما يتعلق الأمر بحماية المصالح المالية للاتحاد الأوروبي.
الاتفاق، المنشور رسمياً في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي اليوم الاثنين 5 أكتوبر 2026 تحت الرقم 2026/2218، يعدل ويكمل اتفاق التعاون العلمي والتكنولوجي بين المغرب والاتحاد الأوروبي بشأن مشاركة المملكة في «الشراكة من أجل البحث والابتكار في منطقة البحر الأبيض المتوسط»، المعروفة اختصاراً بـPRIMA.
وكان مجلس الاتحاد الأوروبي قد اعتمد في 17 فبراير 2026 قرار السماح بتوقيع الاتفاق وتطبيقه المؤقت، قبل توقيعه فعلياً في 27 مارس 2026، ثم موافقة البرلمان الأوروبي على إبرامه في 8 يوليو، واعتماد مجلس الاتحاد قرار الإبرام في 24 شتنبر، وصولاً إلى نشره رسمياً اليوم.
الرقابة التي ينظمها الاتفاق لا تمتد إلى مجموع الصفقات العمومية أو المال العام بالمغرب، بل تنحصر في الأعمال غير المباشرة الممولة من الاتحاد الأوروبي في إطار PRIMA.
غير أن الملحق الجديد يكشف نطاقاً واسعاً من أدوات التحقق، يشمل الحالات التي يجري فيها تفويض تنفيذ المشروع كلياً أو جزئياً، أو إبرام عقود مرتبطة به، أو تقديم دعم مالي إلى أطراف ثالثة.
السلطات المغربية تلتزم، وفق النص، بتقديم المساعدة اللازمة لإجراء عمليات التدقيق والمراجعة والتحقق من النفقات وتسهيل المهام المرتبطة بها، فيما حدد الاتفاق وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار باعتبارها الجهة المغربية المختصة بتيسير هذه العمليات، على أن تزودها مؤسسة PRIMA بالمعلومات الأساسية المتعلقة بمهام الرقابة.
صياغة الاتفاق تميز بوضوح بين عمليات التدقيق والمراجعة والتحقق من جهة، وعمليات المراقبة والتفتيش الميداني التي يجريها المكتب الأوروبي لمكافحة الغش «OLAF» من جهة ثانية.
بالنسبة إلى الفئة الأولى، ينص الملحق على أن إخبار السلطات المغربية لا يشكل شرطاً قانونياً مسبقاً لإجراء التدقيق أو المراجعة أو التحقق، كما يمكن استمرار هذه العمليات حتى بعد انتهاء الاتفاق أو انتهاء القرار الأوروبي المنظم للبرنامج، إذا ظل ذلك ضرورياً لتنفيذ الالتزامات المرتبطة بـPRIMA.
الأمر يصبح أكثر حساسية عند الانتقال إلى حماية المصالح المالية للاتحاد الأوروبي.
فالملحق يلزم السلطات المغربية بتقديم المساعدة الضرورية للتحقيقات التي يجريها «OLAF»، بما في ذلك المشاريع التي جرى تفويض تنفيذها أو التي تتضمن عقوداً أو دعماً مالياً لأطراف ثالثة، مع احترام القانون المغربي.
الاتفاق يحدد كذلك كيفية تنفيذ التفتيش داخل المملكة. فالمكتب الأوروبي يعد ويجري عمليات المراقبة والتفتيش الميداني في المغرب بتعاون وثيق مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، ويلتزم بإبلاغها مسبقاً بموضوع العملية وغرضها وأساسها القانوني، حتى تتمكن السلطات المغربية من تقديم المساعدة اللازمة، كما يمكن لموظفي الجهة المغربية المختصة المشاركة في هذه العمليات بطلب منها.
الملحق يذهب أبعد من ذلك في حالة مقاومة التفتيش. فإذا رفض مشارك في مشروع ممول أو شخص اعتباري قائم بالمغرب الخضوع لمراقبة أو تفتيش ميداني، يتعين على السلطات المغربية، وفق القانون الوطني، تقديم المساعدة اللازمة لموظفي المكتب الأوروبي حتى يتمكنوا من تنفيذ العملية بفعالية ومن دون تأخير غير مبرر، وفي تعاون وثيق مع الجهات الوطنية المختصة.
المغرب يستطيع أيضاً، إذا رغب، إجراء عمليات التفتيش بصورة مشتركة مع المكتب الأوروبي، بينما يلتزم الأخير بإبلاغ السلطات المغربية بنتائج عملياته في الوقت المناسب حتى تتمكن من اتخاذ ما تراه لازماً وفق القانون المغربي.
الرقابة لا تنتهي عند حدود التفتيش الإداري والمالي، فالملحق ينظم كذلك التعاون في المسائل القضائية مع النيابة العامة الأوروبية «EPPO»، من خلال تقديم وتبادل المساعدة القانونية وفق الاتفاقيات الدولية والثنائية والقانون المغربي، عندما يتعلق الأمر بجرائم تمس المصالح المالية للاتحاد الأوروبي وتقع ضمن اختصاص هذه النيابة.
ويفرض الاتفاق أيضاً تبادل المعلومات بشأن المخالفات المشتبه فيها أو المثبتة التي تصل إلى علم الطرفين والمتعلقة بإبرام أو تنفيذ اتفاقيات المنح والعقود المرتبطة بالمشاريع غير المباشرة، مع إحاطة «OLAF» بها عند الاقتضاء، مقابل قواعد خاصة بسرية المعلومات وحصر استعمالها في حماية المصالح المالية المعنية.
قراءة الاتفاق باعتباره منحاً لأول مرة لصلاحيات رقابية أوروبية داخل المغرب لن تكون دقيقة.
فاتفاق سنة 2018 كان ينص أصلاً على التزام الطرفين بتقديم المساعدة اللازمة لتطبيق مقتضيات القرار الأوروبي المنظم لـPRIMA والمتعلقة بحماية المصالح المالية للاتحاد، كما نص على وضع ترتيبات تفصيلية للمساعدة بين الطرفين.
الجديد في اتفاق 2026 يتمثل أساساً في إدماج ترتيبات المساعدة والرقابة بصورة مفصلة ومباشرة داخل الاتفاق وملحقه، مع تحديد الجهة المغربية المختصة، وإجراءات الإشعار والتفتيش، وكيفية التعامل مع مقاومة العمليات الميدانية، وتبادل المعلومات، والتعاون مع النيابة العامة الأوروبية.
التعديل يأتي بالتوازي مع تمديد الإطار الأوروبي لـPRIMA ضمن برنامج «Horizon Europe» إلى غاية 31 دجنبر 2031، مع استمرار المغرب ضمن الدول المشاركة في الشراكة، بينما توضح الوثائق الأوروبية أن تحديث القواعد المالية استدعى إدراج ترتيبات المساعدة المتبادلة بصورة كاملة داخل الاتفاق.
المعطى الأبرز الذي تكشفه الوثيقة لا يتمثل في وجود تحقيق أوروبي جارٍ حالياً داخل المغرب، لأن النص لا يعلن عن أي تحقيق أو عملية تفتيش بعينها، بل في وجود إطار قانوني وتنفيذي مفصل يسمح، عند توفر الشروط المرتبطة بحماية الأموال الأوروبية، بالانتقال من مراجعة الوثائق والحسابات إلى المراقبة والتفتيش الميداني داخل المملكة.
دائرة الرقابة يمكن أن تتجاوز المستفيد المباشر من التمويل لتشمل، ضمن الشروط المحددة في البرنامج، عقوداً وأطرافاً ثالثة مرتبطة بتنفيذ المشروع، ما يجعل تتبع مسار الأموال والعقود جزءاً مباشراً من منظومة حماية المصالح المالية للاتحاد الأوروبي.
هذه التفاصيل تطرح سؤالاً يتجاوز برنامج PRIMA نفسه: إلى أي حد أصبحت الجهات الممولة دولياً تفرض على المشاريع المنجزة بالمغرب مستوى من التدقيق والتتبع يصل إلى الميدان، وقد يمتد عند توفر الشروط القانونية إلى مسار قضائي أوروبي، بينما لا يعرف الرأي العام بالضرورة المستوى نفسه من التفاصيل بشأن آليات الرقابة الداخلية؟
الاتفاق لا يقدم جواباً سياسياً عن هذا السؤال، لكنه يضع قاعدة قانونية واضحة: الأموال الأوروبية الموجهة إلى مشاريع PRIMA بالمغرب يمكن أن تخضع للتدقيق والمراجعة والتحقيق والمراقبة والتفتيش الميداني، وأن يمتد الملف عند توفر الشروط القانونية إلى التعاون مع النيابة العامة الأوروبية، وكل ذلك وفق آليات محددة مسبقاً وبتعاون مع السلطات المغربية نفسها.
