بقلم: الباز عبدالإله
تدخل المحاكم المغربية، ابتداء من غد الاثنين 24 غشت 2026، مرحلة إجرائية جديدة مع دخول القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية حيز التنفيذ، منهياً أكثر من نصف قرن من العمل بقانون المسطرة المدنية الصادر سنة 1974، ومغيراً قواعد تمتد من رفع الدعوى والاختصاص إلى الطعون والتبليغ والتنفيذ والرقمنة القضائية.
وكان القانون الجديد قد نُشر في الجريدة الرسمية عدد 7485 بتاريخ 23 فبراير 2026، بعد صدور الظهير الشريف رقم 1.26.07 بتنفيذه، ونصت المادة 643 منه على دخوله حيز التنفيذ بعد ستة أشهر من تاريخ نشره، وهو ما يجعل الاثنين 24 غشت موعد بدء تطبيق نص يضم 644 مادة.
ولا يتعلق الأمر بمجرد تعديل لبعض مواد القانون القديم، إذ تنص المادة 644 على نسخ قانون المسطرة المدنية الصادر بظهير 28 شتنبر 1974، إلى جانب مقتضيات من قانون قضاء القرب، كما ينسخ القانون المتعلق بإحداث المحاكم التجارية، والقانون المحدث بموجبه محاكم إدارية، والقانون المتعلق بإحداث محاكم الاستئناف الإدارية، مع تعويض الإحالات الواردة عليها بالمقتضيات المماثلة في النص الجديد.
ومن أكثر التغييرات التي ستظهر آثارها في علاقة المتقاضي بالمحكمة توسيع حضور المساطر الإلكترونية.
فالقانون يعترف بالإجراءات المنجزة كلياً أو جزئياً عبر المنصة الإلكترونية، بما يشمل إيداع المقالات والطلبات والطعون والمذكرات والمستنتجات والوثائق وأداء الرسوم والمصاريف وإجراءات التبليغ والتنفيذ.
كما ينص على احتساب الأجل، عند إنجاز الإجراء إلكترونياً، بصورة مستمرة إلى منتصف ليل اليوم الأخير منه.
ويضع القانون أيضاً قواعد جديدة للاختصاص المالي. فالمحاكم الابتدائية تبت ابتدائياً وانتهائياً في الطلبات إلى غاية 10 آلاف درهم، بينما تصبح الطلبات التي تتجاوز هذا المبلغ قابلة للاستئناف.
أما في المادة التجارية، فتختص المحاكم الابتدائية، عند عدم وجود محكمة تجارية في دائرة نفوذها، بالقضايا التجارية التي لا تتجاوز قيمتها 80 ألف درهم، فيما تختص المحاكم الابتدائية التجارية والأقسام المتخصصة بالطلبات الأصلية التي تتجاوز هذه العتبة.
حتى مسطرة الأمر بالأداء أعاد القانون توزيعها بحسب طبيعة الدين وقيمته، إذ يمكن إجراؤها أمام المحاكم الابتدائية بشأن المطالب المالية التي تتجاوز 5 آلاف درهم والمستحقة بموجب سند رسمي أو اعتراف بدين.
وفي الديون الناتجة عن معاملات تجارية، تختص المحاكم الابتدائية بالمطالب التي تتجاوز 5 آلاف درهم ولا تتجاوز 80 ألفاً، متى كانت ثابتة بورقة تجارية أو سند رسمي أو اعتراف بدين ناتج عن معاملة تجارية، بينما تنتقل المطالب التجارية التي تتجاوز 80 ألف درهم إلى المحاكم الابتدائية التجارية أو الأقسام المتخصصة في القضاء التجاري.
غير أن التحول المقرر ابتداء من الاثنين لا يعني أن الملفات المفتوحة ستعود إلى نقطة الصفر.
فقد حسم المشرع المرحلة الانتقالية بنصوص دقيقة، إذ أبقت المادة 641 كل إجراء تم صحيحاً وفق القانون السابق منتجاً لآثاره القانونية، فيما أبقت المادة 643 قواعد الاختصاص السابقة بالنسبة للقضايا الجاهزة للحكم.
كما يستمر تطبيق قواعد الآجال القديمة عندما يكون سريان الأجل قد بدأ قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، فيما لا تطبق القواعد الجديدة المتعلقة بطرق الطعن على الأحكام الصادرة قبل 24 غشت.
وبذلك سيكون تاريخ صدور الحكم أو بداية الأجل والوضعية الإجرائية للملف عناصر حاسمة لتحديد القانون الواجب التطبيق خلال المرحلة الانتقالية.
ويمتد التغيير أيضاً إلى التنفيذ، بعدما منح النص مساحة واسعة لقواعد الحجز والبيع وتوزيع حصيلة التنفيذ، إلى جانب إدماج النظام المعلوماتي في إجراءات التنفيذ، في محاولة لنقل واحدة من أكثر مراحل التقاضي حساسية من منطق الملفات الورقية المتفرقة إلى مسار أكثر ارتباطاً بالتتبع الرقمي.
لكن دخول القانون حيز التنفيذ لا يعني بالضرورة أن جميع أدوات الرقمنة ستشتغل بالشكل نفسه دفعة واحدة، إذ أحال عدد من المقتضيات التقنية، ومنها بعض كيفيات استعمال المنصة الإلكترونية والمشاركة عن بعد، على نصوص تنظيمية تحدد شروط تطبيقها.
ابتداء من الاثنين، لن يتغير فقط رقم القانون الذي يستند إليه القاضي والمحامي والمتقاضي، بل ستبدأ أول تجربة فعلية لنص يعيد بناء جزء واسع من القواعد التي حكمت التقاضي المدني والتجاري والإداري في المغرب لعقود، وسيصبح الاختبار الحقيقي مرتبطاً بقدرة المحاكم والمنصات الرقمية ومهنيي العدالة على تحويل 644 مادة من نص منشور في الجريدة الرسمية إلى إجراءات تطبق فعلياً أمام المواطنين.
