بقلم: الباز عبدالإله
وضع عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، المهاجرين المغاربة الموجودين في سبتة داخل معادلة بدت، في تصريحه الأخير لقناة «العربية»، شديدة البساطة: إسبانيا تريد إعادة جثامين الموتى إلى المغرب، فيما لا تبدي، بحسبه، الإرادة نفسها لإعادة «الأحياء»، وخصوصاً القاصرين.
وقال وهبي: «الإسبان يريدون إعادة الجثامين فقط إلينا، أما الأحياء الذين نريدهم، ولا سيما القاصرين، فلا يظهرون نية لإعادتهم».
لكن استعمال كلمة «الأحياء» يفتح سؤالاً أكثر تعقيداً من مجرد من سيعيد من إلى الحدود: هل هؤلاء الأحياء مجرد أشخاص ينبغي استلامهم، أم أطفال لهم إرادة وحقوق وصوت يجب الاستماع إليه قبل اتخاذ قرار إعادتهم؟
الإطار القانوني الأوروبي والقضاء الإسباني يضعان لهذا السؤال جواباً إجرائياً واضحاً.
فالمادة 10 من التوجيه الأوروبي رقم 2008/115، المتعلق بإعادة المقيمين بصورة غير قانونية، لا تمنع إعادة القاصر غير المصحوب إلى بلده، لكنها تُخضع إعادته لضمانات خاصة تمنع معاملته باعتباره مجرد حالة ترحيل عادية.
إذ تفرض، قبل إصدار قرار الإعادة، مراعاة المصلحة الفضلى للقاصر والاستعانة بجهات مختصة، كما تلزم السلطات، قبل تنفيذ الإبعاد، بالتأكد من أنه سيُسلّم إلى أحد أفراد أسرته أو إلى وصي أو إلى مؤسسة استقبال مناسبة في بلد العودة.
بمعنى آخر، أوروبا لم تقل إن القاصرين المغاربة لا يمكن أن يعودوا، لكنها لم تجعل عودتهم نتيجة تلقائية لمطالبة الرباط بهم أو لاتفاق سياسي بين حكومتين.
وهذا ما سبق أن حسم فيه القضاء الإسباني نفسه بعد أزمة سبتة لسنة 2021.
ففي يناير 2024، أكدت المحكمة العليا الإسبانية عدم قانونية إعادة مجموعة من القاصرين المغاربة من سبتة، معتبرة أن الاتفاق القائم بين المغرب وإسبانيا بشأن القاصرين لا يكفي وحده لتنفيذ الإعادة.
وشددت المحكمة على ضرورة فتح مسطرة فردية لكل قاصر، وجمع المعلومات المتعلقة بوضعه، والاستماع إليه عندما يسمح سنه ودرجة نضجه بذلك، وإشراك النيابة العامة، معتبرة أن إعادة الأطفال بصورة جماعية دون هذه الضمانات تصطدم بالحظر المفروض على الطرد الجماعي.
وهنا يصبح وصف وهبي لهم بـ«الأحياء الذين نريدهم» أكثر تعقيداً.
لأن بعض هؤلاء الأحياء تكلموا فعلاً.
في الثالث من غشت، وثقت وكالة «أسوشيتد برس» حالة طفل مغربي غير مصحوب يبلغ من العمر 12 سنة، كان يُقتاد في اتجاه الحدود لإعادته إلى المغرب، بينما كان يتوسل ألا يُعاد. وتوقفت العملية على بعد أمتار من الحدود بعدما جرى التنبيه إلى كونه قاصراً.
ولم تعد المسألة مرتبطة بحالة طفل واحد فقط.
ففي 20 غشت، قالت تيريزا خيسبيرت، المدعية العامة المنسقة لشؤون القاصرين بالنيابة العامة الإسبانية، إن القاصرين الذين جرى الاستماع إليهم لا يريدون العودة إلى المغرب، ويرغبون في الانتقال إلى شبه الجزيرة الإسبانية.
وأضافت، وفق تصريحات نقلتها وسائل إعلام إسبانية، أنها لا تعلم بوجود آباء أو أمهات طالبوا بإعادة أبنائهم إلى المغرب، مشيرة في المقابل إلى وجود أسر تواصلت مع السلطات وتريد أن تتولى منظومة الحماية الإسبانية رعاية أبنائها.
وفي 16 غشت، خرج مئات المهاجرين الموجودين في سبتة في احتجاج رفضاً للعودة إلى المغرب، في تعبير علني من جزء من هؤلاء «الأحياء» عن موقف يختلف عن تقديم الإعادة باعتبارها حلاً تلقائياً للجميع.
حتى المفوضية الأوروبية، التي أيدت إمكانية إعادة الأشخاص الذين لا يتوفرون على حق قانوني في البقاء، لم تقل إن القاصرين يمكن جمعهم وتسليمهم إلى المغرب دفعة واحدة.
فالإعادة، حين يتعلق الأمر بطفل غير مصحوب، تظل محكومة بضمانات حماية القاصر، وتقييم وضعه الفردي ومصلحته الفضلى، ولا تصبح إرادته وحدها حاسمة، لكنها تظل عنصراً لا يمكن تجاهله عند اتخاذ القرار.
وهنا تظهر المفارقة في خطاب وزير العدل.
حين يتعلق الأمر بالجثامين، يرفض وهبي «تجزيء الملف» ويطالب باتفاق ومسطرة واضحة قبل استلام الموتى.
لكن حين يتعلق الأمر بالقاصرين الأحياء، تصبح المطالبة مباشرة: إعادتهم إلى المغرب.
والحال أن القانون الذي يحتكم إليه الطرف الإسباني يجعل ملف الطفل، تحديداً، ملفاً فردياً: من هو؟ أين أسرته؟ ماذا ينتظره بعد العودة؟ هل تتوفر شروط استقباله؟ هل يحتاج إلى حماية؟ وما موقفه هو من العودة؟
أسئلة لا يمكن اختزالها في عبارة «الأحياء الذين نريدهم».
وتزداد المفارقة ثقلاً باستحضار تصريح سابق لعبد اللطيف وهبي نفسه، يعود إلى يناير 2023، حين أثار نجاح ابنه في امتحان الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة جدلاً واسعاً.
يومها قال وهبي، رداً على أسئلة الصحافيين: «ولدي عندو جوج إجازات فكندا، خلص عليه باه حيث لاباس عليه».
وعاد الوزير بعد الجدل ليقول إنه كان في حالة استفزاز، مقدماً اعتذاره إذا كان تصريحه قد فُهم بصورة خاطئة.
لكن التصريح بقي واحداً من أكثر العبارات التصاقاً بمساره الحكومي، لأنه وضع، ولو للحظات، مستقبل الابن داخل معادلة واضحة: أب قادر مادياً، ودراسة في الخارج، وفرص استُثمر فيها لبناء المستقبل.
وبعد ثلاث سنوات، يوجد أبناء مغاربة آخرون في سبتة، بعضهم في الثانية عشرة والسابعة عشرة، عبروا الحدود أو البحر، وبعضهم نام في العراء، وبعضهم قال صراحة إنه لا يريد العودة.
هؤلاء أيضاً لهم آباء وأمهات، ولهم قصص وخوف وطموحات وتصورات عن المستقبل.
والإطار القانوني الأوروبي والقضاء الإسباني، قبل السماح بإعادتهم، يفرضان النظر إلى كل واحد منهم باعتباره حالة فردية، لا مجرد رقم داخل موجة هجرة.
لذلك، فإن السؤال الذي تفتحه تصريحات وزير العدل لا يتعلق فقط بما إذا كانت مدريد ستعيد «الأحياء» إلى المغرب.
بل بما إذا كان المسؤول المغربي الذي يطالب بإعادتهم يسمعهم أصلاً وهم أحياء.
