بقلم: الباز عبدالإله
أعاد رقم 1.260 مليار يورو إشعال الجدل في إسبانيا، بعدما قدّمته وسائل إعلام باعتباره مجموع الأموال التي عبأتها حكومة بيدرو سانشيز لفائدة مشاريع وبرامج مرتبطة بالمغرب منذ سنة 2018، قبل أن يستعمله زعيم حزب «فوكس» سانتياغو أباسكال لمهاجمة الحكومة الإسبانية.
غير أن تتبع الوثائق الرسمية يكشف أن التعامل مع هذا الرقم باعتباره «مساعدات مجانية قُدمت إلى المغرب» لا يعكس طبيعة مكوناته، إذ يجمع بين قروض قابلة للسداد وتمويلات وضمانات ائتمانية ومساعدات وبرامج تعاون مختلفة.
أكبر بند يتعلق بتمويل اقتناء المكتب الوطني للسكك الحديدية 40 قطاراً من شركة «CAF» الإسبانية، عبر قرض من صندوق تدويل المقاولات الإسبانية «FIEM» تبلغ قيمته نحو 754 مليون يورو.
وأكدت الحكومة الإسبانية أن التمويل وُقّع بين معهد الائتمان الرسمي الإسباني والمكتب الوطني للسكك الحديدية بضمانة سيادية من المملكة المغربية.
وتكشف وثائق رسمية إسبانية إضافية أن هذا التمويل قابل للسداد، وأن الأموال لا تُحوّل ببساطة إلى حساب المكتب المغربي، بل تُصرف وفق تقدم تنفيذ العقد لفائدة الشركات الإسبانية المشاركة فيه.
كما تؤكد مدريد أن المشروع يرتقب أن يدعم نحو ألف فرصة عمل مباشرة وثلاثة آلاف غير مباشرة سنوياً داخل مصانع «CAF» في إسبانيا، ما يجعل التمويل مرتبطاً في الوقت نفسه بصفقة تصديرية وبمصلحة صناعية إسبانية مباشرة.
ويظهر بند ثان مرتبطاً بمحطة تحلية مياه البحر في الدار البيضاء، حيث أعلنت وزارة الاقتصاد والتجارة والمقاولات الإسبانية تعبئة حزمة تمويل ودعم عمومي تقارب 340 مليون يورو لفائدة مشروع حصل عليه تحالف تقوده شركة «Acciona» الإسبانية.
غير أن هذه القيمة بدورها لا تمثل 340 مليون يورو من «الأموال المجانية للمغرب».
وتشمل الحزمة قرضاً بقيمة 250 مليون يورو من صندوق «FIEM» لفائدة شركة المشروع، وقرضاً بقيمة 31 مليون يورو من صندوق الاستثمارات الخارجية «FIEX» موجهاً إلى «Acciona» لتمويل مساهمتها في رأسمال المشروع، إضافة إلى تغطية ائتمانية عمومية من «CESCE» يمكن أن تشمل ما يصل إلى 80% من شريحة تمويل أخرى تقارب 70 مليون يورو.
وبذلك، فإن جزءاً من الأموال التي تدخل في الرقم المتداول يرتبط مباشرة بتمويل شركة إسبانية أو بتأمين تمويل تجاري، وليس بتحويلات مالية إلى خزينة الدولة المغربية.
أما المساعدات وبرامج التعاون غير القابلة للاختزال في هذه القروض، فتتوزع على مجالات إنمائية وأمنية وهجرية متعددة.
وتحدثت وسائل إعلام إسبانية عن نحو 230 مليون يورو مرتبطة بالتعاون في مجال مراقبة الهجرة بين 2018 و2023، وهي فئة مختلفة عن قروض البنيات التحتية ولا ينبغي خلطها بها أو تقديم مجموعها باعتباره هبات مالية مباشرة للمغرب.
كما وافقت الحكومة الإسبانية سنة 2022 على قرض يصل إلى 20 مليون يورو لفائدة صندوق «جيدة» المغربي لتمويل مؤسسات القروض الصغرى.
وصُنّف هذا التمويل ضمن العمليات المالية القابلة للسداد، ولذلك لا ينبغي إضافته آلياً إلى أي مجموع آخر للمساعدة الإنمائية قبل معرفة منهجية احتساب ذلك المجموع، تفادياً لاحتمال الازدواج في الحساب.
وتكشف هذه المعطيات أن رقم 1.260 مليار يورو يعكس بالفعل حجماً مهماً من التمويلات والالتزامات والبرامج الإسبانية المرتبطة بالمغرب، لكنه لا يصلح لتقديمه كاملاً باعتباره «مساعدات» أو «أموالاً منحتها مدريد للرباط».
فقرض القطارات وحده، البالغ نحو 754 مليون يورو، تمويل قابل للسداد بضمانة سيادية مغربية ومربوط بعقد تستفيد منه الصناعة الإسبانية، بينما تتضمن حزمة محطة التحلية قروضاً موجهة لشركة المشروع وشركة إسبانية وضمانات ائتمانية، إلى جانب أنواع أخرى من التعاون والمساعدة.
كما أن رقم 1.260 مليار يورو نفسه لا يظهر، وفق الوثائق المتاحة، باعتباره رقماً حكومياً موحداً منشوراً في وثيقة إسبانية واحدة، بل يبدو ناتجاً عن تجميع إعلامي لبنود مختلفة في طبيعتها وآليات صرفها.
وعليه، فإن الزاوية الأدق ليست القول إن مدريد «منحت المغرب 1.260 مليار يورو»، بل السؤال عن شروط كل تمويل على حدة، وما صُرف فعلياً، وما يجب سداده، ومن يتحمل المخاطر، وما حجم العقود والمنافع التي عادت في المقابل على الشركات والاقتصاد الإسباني.
