فجّر الباحث في أصول الفقه ومقاصد الشريعة مصطفى قرطاح سجالاً حاداً داخل الحقل الديني، بعدما وجّه رداً لاذعاً إلى عبد الخالق حسين، رئيس المجلس العلمي المحلي لطانطان، على خلفية مقال دافع فيه الأخير عن قرارات توقيف خطباء الجمعة الذين اعتبر أنهم خالفوا الضوابط المعتمدة من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
واختار قرطاح لتدوينته عنواناً لا يخفي طبيعة المواجهة: «كيف تحافظ على منصبك؟ وكيف تصعد في سلم الترقي؟»، قبل أن يذهب إلى أبعد من مناقشة مضمون مقال عبد الخالق حسين، متهماً إياه بمحاولة التقرب من وزير الأوقاف أحمد التوفيق عبر الدفاع عن قرارات الوزارة وانتقاد الخطباء المعزولين.
وقال قرطاح، بسخرية شديدة، إنه إذا استمر أحمد التوفيق على رأس وزارة الأوقاف خلال الولاية المقبلة، فإنه ينصحه بأن يلحق عبد الخالق حسين بديوانه ويكلفه بقسم الإعلام والاتصال، حتى يتولى، بحسب تعبيره، «تدبيج البلاغات والبيانات» والدفاع عن قرارات الوزير.
وجاء رد قرطاح بعد نشر عبد الخالق حسين مقالاً بعنوان «متى تعفي الدولة خطيب الجمعة؟»، اعتبر فيه رئيس المجلس العلمي المحلي لطانطان أن بعض المواقف التي يقدمها أصحابها باعتبارها «شجاعة» من فوق المنبر ليست، في تقديره، سوى «تهور غير مسؤول»، منتقداً ما وصفه بالتحليل السياسي العشوائي والبحث عن البطولات وإثارة التشويش من داخل المساجد. ونُشر المقال خلال الأيام الأخيرة في عدد من المنابر الإعلامية.
لكن قرطاح قلب منطق المقال على صاحبه، معتبراً أن الأوصاف المستخدمة ضد الخطباء المعزولين تتجاوز الدفاع عن ضوابط الخطابة إلى تجريح شخصيات دينية لها سنوات طويلة من التجربة العلمية والدعوية.
واستحضر في هذا السياق أسماء رضوان بنشقرون، الرئيس السابق للمجلس العلمي المحلي لعين الشق والخطيب السابق بمسجد الحسن الثاني، ومحمد أبياط، الخطيب السابق بمسجد يوسف بن تاشفين بفاس، ومحمد العمراوي، الرئيس السابق للمجلس العلمي المحلي بسيدي سليمان.
وتؤكد مصادر منشورة أن بنشقرون أُعفي من مهامه سنة 2010، بينما أنهت وزارة الأوقاف تكليف محمد أبياط بالخطابة ابتداء من فاتح دجنبر 2016، بعدما عللت الوزارة القرار، وفق وثيقة نُشرت حينها، بإقحام مواضيع سياسية في خطبة الجمعة. كما تؤكد معطيات منشورة رسمياً تعيين محيي الدين البقالي الطاهري رئيساً للمجلس العلمي المحلي لسيدي سليمان خلفاً لمحمد العمراوي.
قرطاح لم يكتف بالدفاع عن هؤلاء، بل سخر من تقديم الخطباء الذين ينتقدون تدبير الحقل الديني باعتبارهم غير مدركين لتعقيدات الدولة و«فقه المآلات»، قائلاً إن عليهم، وفق هذا المنطق، أن يأتوا ليتعلموا «الحكمة وفصل الخطاب» من رئيس المجلس العلمي لطانطان.
وانتقل السجال بعد ذلك إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية، بعدما رفض قرطاح استعمال مؤسسة إمارة المؤمنين لتبرير جميع القرارات الإدارية الصادرة عن المؤسسات المكلفة بتدبير الحقل الديني.
واعتبر أن دقة «البوصلة الاستراتيجية» للدولة لا تعني بالضرورة، وفق تشبيهه، أن كل مسؤول إداري يسير دائماً في الاتجاه الصحيح، محذراً من أن يؤدي الدفاع غير المشروط عن قرارات الإدارات والوزارات إلى تحميل المؤسسة الملكية مسؤولية ما قد يقع من أخطاء إجرائية أو اختلالات في التنفيذ.
وقال قرطاح مخاطباً عبد الخالق حسين إن هذا التصور، بحسب رأيه، يخلط بين موقع إمارة المؤمنين وبين مسؤولية الوزارات والإدارات عن تطبيق السياسات العمومية، مستحضراً خطابات ملكية سابقة انتقدت قصور الإدارة والفساد وعدم استفادة جميع المغاربة من الثروة.
من هو مصطفى قرطاح؟
المواجهة تكتسب بعداً إضافياً بالنظر إلى مسار صاحب الرد نفسه.
فمصطفى قرطاح باحث مغربي متخصص في أصول الفقه ومقاصد الشريعة. وتقدمه سيرة تعريفية منشورة ضمن أحد مؤلفاته لدى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويتية باعتباره أستاذاً لمادة الرياضيات وحاصلاً على الدكتوراه في أصول الفقه ومقاصد الشريعة، وسبق له الاشتغال في الخطابة والوعظ والمشاركة في أنشطة مرتبطة بالمجالس العلمية.
كما تصفه مصادر حديثة سنة 2026 بباحث في أصول الفقه ومقاصد الشريعة وعضو بالهيئة العلمية لمركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط.
وسبق لقرطاح أن شغل مهمة خطيب الجمعة بمسجد الغفران بحي الوفاء بمدينة القنيطرة، قبل أن يتم توقيفه عن الخطابة سنة 2025. ولم تكن وزارة الأوقاف، وفق التغطيات الصحفية المنشورة آنذاك، قد أعلنت للرأي العام تعليلاً رسمياً مفصلاً للقرار، فيما ربطت تقارير صحفية التوقيف بمواقف عبّر عنها من فوق المنبر.
أما عبد الخالق حسين، الطرف الثاني في السجال، فهو رئيس المجلس العلمي المحلي لطانطان، وقد جرى تنصيبه رسمياً في هذا المنصب في 19 يونيو 2023، وفق الموقع الرسمي لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
وختم قرطاح تدوينته بتحويل عنوان مقال حسين إلى سؤال معاكس، معتبراً أن القضية، من وجهة نظره، لم تعد «متى تعفي الدولة خطيب الجمعة؟»، بل أصبحت: «كيف تحافظ على منصبك الديني؟ وكيف تصعد في سلم الترقي؟».
وجاء جوابه أكثر حدة من كل ما سبقه: «قمع الخطباء القائمين، وجلد الخطباء المعزولين، والتصفيق للسيد الوزير في كل قراراته».
وهي عبارات تبقى موقفاً وانتقاداً صريحاً صادراً عن مصطفى قرطاح، ولا تشكل في حد ذاتها إثباتاً لوجود علاقة بين مواقف عبد الخالق حسين ومساره الوظيفي أو أي ترقية محتملة.
