بقلم: الباز عبدالإله
تضمن المشروع التعاقدي المجتمعي الذي قدمه حزب الحركة الشعبية استعداداً لاستحقاقات شتنبر 2026 إحالة دستورية لافتة، بعدما استند إلى ما سماه «المادة 124 من الدستور المغربي» لتبرير إمكانية اتخاذ الحكومة تدابير استثنائية في مواجهة اضطراب الأسواق وارتفاع الأسعار، في حين أن الفصل 124 من الدستور يتعلق بصدور الأحكام القضائية وتنفيذها ولا يتضمن المقتضى الذي نسبه إليه المشروع.
وتظهر الإحالة ضمن محور «السيادة الاستهلاكية والقدرة الشرائية» في المشروع الذي قدمه الحزب يوم 23 ماي 2026 تحت شعار «جا الوقت»، وتحديداً في الإجراء المتعلق بما سماه «الهدنة الفلاحية»، وهي آلية يقترح الحزب تفعيلها آلياً عندما ترتفع أسعار مجموعة من المواد الأساسية المستهلكة محلياً بنسبة 20 في المائة خلال 30 يوماً.
ويقترح المشروع، في هذه الحالة، وقف تصدير القمح والطماطم والبصل والبطاطس واللحوم والحليب والزيت مؤقتاً إلى حين استقرار الأسعار، إلى جانب إحداث «المخزون الاستراتيجي للقفة الشعبية» لضخ المواد الأساسية في السوق خلال فترات الندرة أو الارتفاع المفاجئ.
غير أن المشروع يضيف، ضمن الأساس الذي يقدمه لهذا التدخل، الدعوة إلى «تفعيل المادة 124 من الدستور المغربي التي تسمح للحكومة باتخاذ تدابير استثنائية في الحالات الاستثنائية»، مستحضراً أمثلة من قبيل اضطراب سلاسل التوريد والجفاف والأزمات العالمية. وهذه الصياغة منشورة على الموقع الرسمي لحزب الحركة الشعبية ضمن تفاصيل مشروعه التعاقدي.
وبالرجوع إلى النص الرسمي لدستور المملكة، يتبين أن الإحالة لا تتطابق مع مضمون الفصل المذكور.
فالفصل 124، المدرج ضمن الباب السابع المتعلق بالسلطة القضائية، ينص على أن «تصدر الأحكام وتنفذ باسم الملك وطبقا للقانون»، دون أن يتضمن مقتضى يتعلق بتدبير الأسعار أو اضطرابات السوق أو منح الحكومة صلاحيات اقتصادية استثنائية من النوع الوارد في مشروع الحزب.
ويثير النص كذلك ملاحظة شكلية إضافية، إذ يعتمد الدستور المغربي تسمية «الفصل 124»، بينما استعمل المشروع المنشور للحركة الشعبية عبارة «المادة 124».
غير أن الفكرة التي يدافع عنها المشروع تجد سنداً قانونياً أقرب إليها في تشريع آخر، ويتعلق الأمر بالقانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.
فالمادة 4 من هذا القانون تجيز للإدارة، بعد استشارة مجلس المنافسة، اتخاذ تدابير مؤقتة ضد ارتفاع أو انخفاض فاحش في الأسعار عندما يكون ذلك ناتجاً عن ظروف استثنائية أو كارثة عامة أو وضعية غير عادية بشكل واضح في سوق قطاع معين.
ويحدد القانون مدة تطبيق هذه التدابير في ستة أشهر كحد أقصى، قابلة للتمديد مرة واحدة من طرف الإدارة.
ولا يتعلق الأمر بمقتضى بقي نظرياً فقط. ففي مارس 2020، وفي سياق أزمة كوفيد-19، أحالت الحكومة على مجلس المنافسة طلباً يتعلق بتنظيم أسعار المطهرات الكحولية والكمامات الواقية، واعتبر المجلس أن الطلب يستوفي الشروط القانونية المنصوص عليها في المادة 4 من القانون 104.12، قبل أن يوصي باتخاذ تدابير مؤقتة في هذا الإطار.
كما يحدد المرسوم التطبيقي للقانون المسطرة الخاصة بهذه التدابير، إذ يتخذها رئيس الحكومة أو السلطة الحكومية المفوضة منه بعد استشارة مجلس المنافسة واستطلاع رأي لجنة الأسعار المشتركة بين الوزارات.
وبذلك، تكشف مقارنة النصوص أن الإحالة الدستورية الواردة في المشروع المنشور للحركة الشعبية لا تسند المقتضى الذي يشرحه الحزب، بينما توجد في قانون حرية الأسعار والمنافسة آلية قانونية أقرب بوضوح إلى التدابير الاستثنائية التي يتحدث عنها المشروع.
ولا تسمح المعطيات المنشورة بالجزم بما إذا كان الأمر يتعلق بخطأ في التحرير أو خلط بين مراجع قانونية، إذ لم يقدم الحزب في النص المنشور توضيحاً بشأن سبب الاستناد إلى الفصل 124 تحديداً.
غير أن الثابت، وفق النص الرسمي للدستور، أن الفصل 124 لا يتضمن الصلاحية التي نسبها إليه المشروع.
وتكتسي الملاحظة أهمية إضافية لأن الإحالة لم ترد في تفصيل هامشي، وإنما استُعملت ضمن واحد من أبرز تعهدات المشروع في ملف القدرة الشرائية، والقائم على وقف صادرات مواد فلاحية أساسية مؤقتاً عندما تقفز أسعارها في السوق الداخلية بنسبة 20 في المائة خلال 30 يوماً.
وبين قوة المقترح اقتصادياً ودقة سنده القانوني، يضع المشروع بذلك مسألة مراجعة الإحالات الدستورية والقانونية داخل المشاريع والبرامج الانتخابية على الطاولة، خصوصاً عندما تُستدعى نصوص الدستور لتبرير صلاحيات حكومية استثنائية.
