بقلم: الباز عبدالإله
رفع عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، سقف المواجهة السياسية مع رئيس الحكومة عزيز أخنوش، موجهاً إليه من إقليم مديونة واحداً من أشد خطاباته في سياق الاستعدادات للانتخابات التشريعية، بعدما وضع ثروته وملف المحروقات وما يعرف سياسياً بـ«260 مليار سنتيم» في قلب النقاش حول تداخل المال والسلطة.
وجاءت تصريحات بنكيران خلال مهرجان خطابي نظمته الكتابة الإقليمية لحزب العدالة والتنمية، الأحد 30 غشت 2026، بدار الشباب مولاي الحسن بالهراويين، قبل أسابيع قليلة من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر.
واختار رئيس الحكومة الأسبق مخاطبة أخنوش مباشرة، قائلاً أمام الحاضرين إن «هاد الفلوس اللي عند أخنوش ماشي طبيعيين»، قبل أن يضيف، في تصعيد لافت في لهجته، أنه مستعد للقسم بأن أموال رئيس الحكومة «ما هما حلال كلهم»، وهي اتهامات سياسية خطيرة تبقى على مسؤولية بنكيران ولا تشكل، في حد ذاتها، إثباتاً قضائياً بشأن مصدر ثروة أخنوش.
واستحضر بنكيران قصة قارون وهو يتحدث عن الثروة، مؤكداً أنه لا يعترض على امتلاك أخنوش أموالاً طائلة إذا كانت مشروعة، لكنه اعتبر أن السؤال، بالنسبة إليه، يتعلق بمصدر هذه الأموال وبالعلاقة بين النشاط الاقتصادي وممارسة السلطة.
ولم يتوقف هجوم الأمين العام للعدالة والتنمية عند الثروة، إذ أعاد فتح ملف سوق المحروقات، محملاً أخنوش مسؤولية سياسية عما وصفه بـ«التواطؤ» الذي أدى، بحسب قوله، إلى ارتفاع أسعار البنزين والغازوال والفيول، وربط ذلك بالملف الذي سبق أن عالجه مجلس المنافسة.
وقال بنكيران إن مجلس المنافسة «حكم» على أخنوش وشركائه، مستحضراً رقم 1.8 مليار درهم الذي انتهت إليه المسطرة المتعلقة بشركات المحروقات.
غير أن المعطى الرسمي المنشور من طرف مجلس المنافسة يحتاج إلى تدقيق مهم؛ فالبلاغ الصادر في 23 نونبر 2023 أعلن توقيع اتفاقات صلح مع تسع شركات تنشط في أسواق تموين وتخزين وتوزيع الغازوال والبنزين ومنظمتها المهنية، ونص على أداء مبلغ إجمالي قدره 1.840.410.426 درهماً كتسوية تصالحية بالنسبة إلى جميع الأطراف المعنية، إلى جانب تعهدات مرتبطة باحترام قواعد المنافسة.
ولم يسمِّ البلاغ الرسمي الشركات التسع، كما لم ينص على إدانة شخصية لعزيز أخنوش، ما يجعل ربط التسوية به شخصياً جزءاً من الاتهام السياسي الذي يطرحه بنكيران، وليس توصيفاً ورد بهذه الصيغة في البلاغ الرسمي لمجلس المنافسة.
وأعاد بنكيران كذلك ملف «260 مليار سنتيم» إلى واجهة خطابه، رابطاً إياه بمشروع محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، وقال إن الملف مر، بحسب روايته، عبر لجنة الاستثمار للاستفادة من دعم بهذا المبلغ، قبل أن يتم الإعلان لاحقاً عن عدم الاستفادة منه.
وخاطب بنكيران رئيس الحكومة قائلاً: «علاش بغيت تاخذ 260 مليار؟ واش هاد الفلوس اللي عندك ما قادينكش؟»، معتبراً أن القضية، من وجهة نظره، تطرح سؤال تضارب المصالح واستعمال الموقع الحكومي في ملفات تتقاطع مع المصالح الاقتصادية الخاصة.
ويظل رقم 260 مليار سنتيم والوقائع التي ربطها بهذا الرقم بنكيران جزءاً من اتهام سياسي كرره الأمين العام للعدالة والتنمية في خطابه، ولا يكفي تداوله حزبياً لإثبات وجود مخالفة قانونية، ما لم تحسم في تفاصيله الوثائق الرسمية والجهات الرقابية أو القضائية المختصة.
ووسع الأمين العام للعدالة والتنمية دائرة هجومه لتشمل ما وصفه بصعود «الأوليغارشية» داخل السياسة، معرفاً إياها بأنها فئة «عندها الفلوس وشراو السلطة وشراو المنتخبين وشراو الأحزاب السياسية وشراو الأعيان»، ومعتبراً أن امتزاج المال بالنفوذ السياسي يهدد، بحسبه، ثقة الشباب في تكافؤ الفرص وفي جدوى الدراسة والعمل.
وربط بنكيران ذلك بموجة هجرة الشباب، قائلاً إن أبناء المغرب يحتاجون إلى الشعور بأن بلدهم يتيح لهم فرصاً عادلة، ومحذراً من أن رؤية أبناء أصحاب النفوذ يصلون بسرعة إلى مواقع المسؤولية قد تدفع الشباب إلى الاعتقاد بأن النجاح لا يرتبط بالكفاءة والاستحقاق، وإنما بالعلاقات.
كما وجه انتقادات مباشرة إلى الحصيلة الحكومية في التشغيل والأسعار والدعم الاجتماعي، مستحضراً ارتفاع أسعار اللحوم مقارنة بالفترة التي ترأس فيها الحكومة، ومتهماً الأغلبية الحالية بعدم الوفاء بجزء من تعهداتها الانتخابية.
وفي مقابل هجومه على الحكومة، قدم بنكيران النزاهة باعتبارها الورقة الرئيسية التي يريد حزبه خوض انتخابات 2026 بها، مؤكداً أن العدالة والتنمية راكم ثلاثين عاماً من المشاركة السياسية دون أن تمس، حسب قوله، سمعته في قضايا الرشوة أو اختلاس المال العام.
ودعا سكان مديونة إلى عدم العزوف عن السياسة، معتبراً أن القرارات السياسية هي التي تحدد أسعار النقل والمواد الاستهلاكية وشروط التعليم والصحة وطريقة تعامل الإدارة مع المواطنين، قبل أن ينهي خطابه بدعوة مباشرة إلى التصويت على مرشح حزبه حميد بنغريضو.
وبهذا الخطاب، نقل بنكيران المواجهة مع أخنوش من نقد الحصيلة الحكومية إلى مساحة أكثر حساسية تتعلق بالثروة وتضارب المصالح وعلاقة رأس المال بالقرار السياسي، واضعاً ملفات المحروقات و«260 مليار سنتيم» في قلب السجال السياسي السابق لاقتراع 23 شتنبر، ومحولاً مديونة إلى محطة جديدة في تصعيد سياسي يبدو مرشحاً للاستمرار مع اقتراب موعد الانتخابات.
