بقلم: الباز عبدالإله
تكشف أحدث جداول رسمية للبنك الدولي عن مفارقة ثقيلة داخل واحد من أكبر برامج دعم السياسات المناخية بالمغرب، بعدما ظلت مجموعة من المؤشرات المرتبطة مباشرة بالمواطنين والفلاحين وسكان الواحات عند نقطة الصفر، رغم مرور أكثر من عامين ونصف على الموافقة على البرنامج واستناده إلى قرض بقيمة 350 مليون دولار.
المعطيات واردة في تقرير حالة التنفيذ والنتائج الخاص ببرنامج دعم المساهمة الوطنية المحددة للمغرب في مجال المناخ، المعروف بالرمز P178763، والذي أرشفه البنك الدولي يوم 25 يناير 2026، بينما تعود آخر القيم المسجلة في عدد من مؤشراته إلى 15 يناير من السنة نفسها.
البرنامج يمتد تنفيذه إلى يونيو 2028 ويقوم على صيغة التمويل القائم على النتائج، وهي آلية تجعل قياس الأثر الفعلي جزءاً أساسياً من منطق التمويل نفسه، وليس مجرد عنصر ثانوي في التقييم.
أول الأصفار يظهر في حملات التوعية بالتغير المناخي، بعدما حدد البرنامج هدفاً يتمثل في تنظيم خمس حملات، غير أن عدد الحملات المنجزة بقي عند صفر في آخر جدول رسمي منشور.
الصفر الثاني يظهر مباشرة في المؤشر المرتبط بعدد المواطنين المستهدفين بهذه الحملات، إذ كان الهدف الوصول إلى مليون مشارك، بينما ظل عدد المشاركين المحتسبين عند صفر.
ويشير التقرير إلى أن المناقشات كانت ما تزال جارية مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ووزارة الاقتصاد والمالية من أجل تصميم الحملات، بما يعني أن هذا المحور ظل، في تاريخ القياس، داخل مرحلة الإعداد بدل الوصول الفعلي إلى المواطنين.
الصفر يتكرر بعد ذلك في ملف الفلاحين، إذ حدد البرنامج هدفاً يتمثل في توقيع خمس اتفاقيات بين الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والهيئات المهنية الفلاحية، بينما ظل عدد الاتفاقيات المسجلة عند صفر من أصل خمس.
كما ظل المؤشر الخاص بالاتفاق بين الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والقرض الفلاحي في خانة «No» وفق آخر جدول نتائج مؤرخ في 15 يناير 2026، مع إشارة البنك الدولي إلى أن المعطيات المرتبطة بهذا المؤشر ستخضع للتحيين خلال بعثة دعم التنفيذ المقبلة.
هذا المحور أدرج ضمن الإجراءات الرامية إلى تقوية قدرة الفلاحين على مواجهة المخاطر الصحية المرتبطة بالتغير المناخي، وهو ما يجعل بقاء الاتفاقيات عند الصفر معطى يتجاوز الجانب الإداري إلى سؤال حول سرعة وصول الحماية المبرمجة إلى المستفيدين.
داخل المناطق الواحية يظهر صفر آخر أكثر وضوحاً.
البرنامج يستهدف وصول مشاريع التطهير السائل إلى 20 ألف مستفيد، غير أن عدد المستفيدين المحتسبين في آخر جدول للبنك الدولي ظل عند صفر من أصل 20 ألفاً.
ويشير تعليق البنك الدولي إلى أن مشاريع التطهير كانت قيد التنفيذ، وكان مقرراً استكمالها خلال 2025، غير أن جدول النتائج الرسمي ظل حتى 15 يناير 2026 دون أي مستفيد محتسب ضمن هذا المؤشر.
المعطى لا يسمح بالقول إن الأشغال لم تبدأ، لكنه يثبت أن المؤشر الذي يفترض أن يقيس وصول الخدمة إلى السكان بقي رسمياً عند الصفر في آخر تحديث منشور.
وفي المقابل، تكشف الوثيقة نفسها أن مؤشرات أخرى داخل المناطق الواحية عرفت تقدماً ملموساً، بعدما بلغ عدد المستفيدين من البنيات المائية الصغيرة 16 ألفاً و700 مستفيد من أصل 20 ألفاً مستهدفاً.
هذه المقارنة تكشف أن المشكلة ليست في توقف البرنامج كله، بل في تفاوت حاد بين مكوناته، حيث اقتربت بعض المؤشرات من أهدافها بينما ظلت أخرى دون تسجيل أي مستفيد.
المفارقة نفسها تتكرر داخل سلسلة نخيل التمر.
البرنامج يستهدف خلق 100 فرصة عمل عبر تعاونيات خدمات مرتبطة بالفلاحة التضامنية، لكن عدد الوظائف المحتسبة بقي عند صفر من أصل 100 وظيفة مستهدفة.
وفي الوقت نفسه، سجل البنك الدولي أن عشر تعاونيات أصبحت عملية بالكامل وأن عملية التحقق من النتائج أُنجزت، في انتظار تحيين المؤشر بعد التوصل بالمعطيات المطلوبة من وكالة التنمية الفلاحية.
البنية التنظيمية بدأت إذن في التحرك، لكن الأثر الاجتماعي الذي يفترض أن يظهر في فرص الشغل ظل في آخر جدول رسمي عند الصفر.
صفر آخر يظهر في حملات التوعية بالنظافة والاقتصاد في الماء.
البرنامج حدد هدفاً يتمثل في إنجاز عشر حملات بحلول نهاية 2027، غير أن عدد الحملات المحتسبة ظل عند صفر من أصل عشر.
ويشير البنك الدولي إلى أن عملية اختيار الشركة المكلفة بإعداد مواد التوعية كانت ما تزال جارية، وهو ما يعني أن هذا الجزء من البرنامج ظل بدوره في مرحلة التحضير بدل تسجيل نتائج ميدانية قابلة للقياس.
الصورة لا تتوقف عند التوعية والماء والفلاحين والواحات.
نسبة النساء المستفيدات من أنشطة بناء القدرات داخل التعاونيات الغابوية ظلت عند 5 في المائة مقابل هدف نهائي يبلغ 25 في المائة، وسجل البنك الدولي صراحة أن الأنشطة المرتبطة بهذا المحور «لم تبدأ بعد».
أما المساحات الغابوية الحضرية وشبه الحضرية الخاضعة لتدبير يعتمد الحلول القائمة على الطبيعة، فقد سجلت صفراً جديداً، إذ بقي المؤشر عند صفر هكتار مقابل هدف نهائي يصل إلى ألفي هكتار.
وهكذا تظهر أمام القارئ سلسلة واضحة من المؤشرات التي بقيت عند الصفر في آخر تحديث رسمي: صفر حملات مناخية من أصل خمس، صفر مشاركين من أصل مليون، صفر اتفاقيات موقعة مع الهيئات المهنية الفلاحية من أصل خمس، صفر مستفيدين من التطهير السائل في الواحات من أصل 20 ألفاً، صفر وظائف من أصل 100، صفر حملات للنظافة والاقتصاد في الماء من أصل عشر، وصفر هكتار من أصل ألفي هكتار في مؤشر التدبير الغابوي القائم على الحلول المستمدة من الطبيعة.
لكن القراءة المهنية للتقرير تفرض في المقابل تسجيل أن البنك الدولي لم يصنف البرنامج باعتباره فاشلاً.
التقرير حافظ على تقييم «مرضٍ» بالنسبة إلى التقدم نحو تحقيق الهدف التنموي، كما صنف التنفيذ العام في خانة «مرضٍ»، وسجل تقدماً في عدد من المحاور المرتبطة بالتنسيق المؤسساتي وإدماج الاعتبارات المناخية في السياسات العمومية وتطوير أنظمة البيانات والمراقبة المناخية.
غير أن التقرير صنف في الوقت نفسه مستوى المخاطر الإجمالية للبرنامج في خانة «Substantial»، وهو ما يرفع أهمية تتبع الفجوة بين تقدم الإصلاحات المؤسساتية وبين النتائج التي تصل مباشرة إلى المواطن.
قيمة القرض تبلغ 350 مليون دولار، والبرنامج يقوم أساساً على التمويل المرتبط بالنتائج، ولهذا لا يصبح سؤال الإنجاز مجرد سجال سياسي حول سرعة الحكومة، بل جزءاً من جوهر العملية المالية نفسها.
الوثيقة لا تسمح بالقول إن 350 مليون دولار صُرفت دون نتائج، كما لا تسمح بالحديث عن ضياع الأموال أو فشل شامل للبرنامج، لأن التنفيذ يمتد إلى يونيو 2028 وعدداً من المشاريع كان ما يزال في مراحل الإنجاز أو التحقق أو تحيين البيانات.
لكن الأرقام تسمح بطرح سؤال سياسي مشروع وأكثر إحراجاً.
كيف يمكن لبرنامج ممول بمئات الملايين من الدولارات أن يحافظ، بعد أكثر من عامين ونصف على الموافقة عليه، على سلسلة من الأصفار في مؤشرات ترتبط مباشرة بالتوعية والفلاحين وسكان الواحات والتشغيل والماء والغابات؟
بين مليون مشارك مستهدف والعداد عند صفر، وخمس اتفاقيات لفائدة الفلاحين والعداد عند صفر، و20 ألف مستفيد مستهدف من التطهير السائل في الواحات والعداد عند صفر، و100 فرصة عمل مبرمجة والعداد عند صفر، تتحول جداول البنك الدولي من وثيقة تقنية إلى مرآة سياسية للحصيلة.
المشكلة هنا ليست في حجم القرض وحده، ولا في عدد الاستراتيجيات والخطط المصادق عليها.
السؤال الحقيقي هو الأكثر بساطة والأكثر إزعاجاً لأي حكومة تدير برامج بمئات الملايين من الدولارات:
ماذا تحقق فعلياً، وكم وصل منه إلى المواطن؟
