بقلم: الباز عبدالإله
كشف صندوق النقد الدولي أن القيمة التراكمية لعمليات بيع الأصول العقارية للدولة بالمغرب بلغت نحو 147 مليار درهم بين انطلاق هذه العمليات سنة 2019 ونهاية 2025، بالتزامن مع تحذير المؤسسة الدولية من أن هذه الآلية، رغم ما توفره من موارد مالية، ترتب التزامات ميزانياتية طويلة الأمد مرتبطة بأداء الإيجارات، يمكن أن تزيد من جمود الميزانية خلال السنوات المقبلة.
وجاءت المعطيات ضمن تقرير صندوق النقد الدولي الخاص بمشاورات المادة الرابعة مع المغرب لسنة 2026، المنشور رسمياً يوم 30 مارس 2026، حيث أعاد الصندوق تصنيف العمليات التي كانت تقاريره السابقة تقدمها تحت مسمى «التمويلات المبتكرة»، لتصبح محاسبياً مدرجة باعتبارها خفضاً في صافي اقتناء الأصول غير المالية.
وتظهر أرقام التقرير أن هذه العمليات سجلت تسارعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغت 25.1 مليار درهم سنة 2022، و25.4 ملياراً سنة 2023، ثم 35 مليار درهم سنة 2024، قبل أن ترتفع إلى 40.1 مليار درهم خلال 2025.
وكان قانون المالية يتوقع تعبئة 35 مليار درهم فقط من هذه العمليات خلال سنة 2025، ما يعني أن التنفيذ الفعلي تجاوز المبلغ المدرج ضمن توقعات الميزانية بنحو 5.1 مليارات درهم.
ويضع صندوق النقد هذه الموارد ضمن العناصر المؤثرة في المسار المالي للمملكة، إذ مثلت عمليات بيع الأصول العقارية للدولة ما يعادل 2.3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2025.
ويتوقع الصندوق تراجع مساهمة هذه العمليات تدريجياً خلال السنوات المقبلة، من 20 مليار درهم سنة 2026 إلى 15 ملياراً سنة 2027، قبل أن تصل إلى الصفر ابتداء من سنة 2028، بالتوازي مع توجه السلطات إلى التخلي التدريجي عن هذه الآلية.
غير أن النقطة الأكثر حساسية في تقييم الصندوق ترتبط بالكلفة المستقبلية لهذه العمليات.
فقد أكد خبراء المؤسسة أن بيع الأصول العقارية يرتب التزامات ميزانياتية طويلة الأمد مرتبطة بأداء الإيجارات، محذرين من أن هذه الالتزامات يمكن أن تزيد من جمود الميزانية وتقلص هامش المناورة المتاح أمام الإنفاق العمومي خلال السنوات المقبلة.
ودعا صندوق النقد السلطات المغربية إلى تقديم تفاصيل أكبر بشأن هذه العمليات داخل الإطار المالي متوسط الأجل، مع أخذ تكلفتها بعين الاعتبار ضمن استراتيجية تدبير أصول الدولة وخصومها.
ويعني ذلك أن تقييم الأثر المالي لهذه العمليات، وفق مقاربة الصندوق، لا ينبغي أن يقتصر على الموارد التي تدخل الميزانية عند تنفيذ عملية البيع، بل يجب أن يشمل أيضاً الالتزامات المالية التي تستمر بعد ذلك، ولا سيما مدفوعات الإيجار المرتبطة بها.
ويأتي هذا التنبيه في وقت يضع فيه الصندوق تراجع موارد بيع العقارات ضمن التحديات التي ستواجه المالية العمومية مستقبلاً، إلى جانب ضرورة ترتيب أولويات النفقات الجارية والاستثمارية، ومواصلة إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية وأنظمة التقاعد، بهدف الحفاظ على مساحة مالية لتمويل الصحة والتعليم والاستثمار في الرأسمال البشري.
ومن جهتها، دافعت السلطات المغربية أمام خبراء الصندوق عن استخدام هذه الآلية، معتبرة أن الموارد التي جرى تعبئتها من خلال بيع الأصول العقارية ساعدت على تمويل السياسات الاجتماعية والبنيات التحتية مع الحفاظ على استدامة الدين.
وأكدت السلطات، في المقابل، أن الاعتماد على هذه العمليات سيجري خفضه تدريجياً إلى أن يتم إنهاؤه بالكامل بحلول سنة 2028.
ولا يقدم صندوق النقد هذه العمليات باعتبارها اختلالاً في حد ذاتها، لكنه يفتح من خلال ملاحظاته سؤالاً مالياً أكثر دقة حول الكلفة الكاملة لبيع الأصول العقارية عندما تقترن العملية بالتزامات كراء تمتد لسنوات لاحقة، ومدى إدراج تلك الالتزامات بصورة واضحة داخل التخطيط المالي متوسط الأجل.
وبذلك، لا يتوقف رقم 147 مليار درهم عند حجم الموارد التي جرى تحصيلها منذ 2019، بل يمتد إلى كيفية احتساب الأعباء المستقبلية المرتبطة بالعمليات نفسها، وهي النقطة التي دفعت صندوق النقد إلى الدعوة إلى مزيد من التفاصيل وإدماج التكلفة ضمن تدبير أصول الدولة وخصومها.
