بعد 17 سنة على أول تنبيه رسمي لمجلس المنافسة بشأن اختلالات سوق الكتاب المدرسي، يعود الدخول المدرسي ليضع الأسر المغربية أمام ضغط الغلاء نفسه، في سوق سبق للمجلس أن وصف أجزاء منه بالريع، وكشف أن عشرات الملايين من المقررات تُنتج في صيغة تجعلها مخصصة للاستعمال مرة واحدة، بينما ظل آخر تدخل منشور للمجلس في هذا الملف في إطار رأي استشاري وليس قراراً زجرياً.
ففي 7 شتنبر 2009، أصدر مجلس المنافسة رأيه رقم 5/2009 بشأن وضعية المنافسة في سوق الكتاب المدرسي، وسجل آنذاك وجود روابط قانونية واقتصادية أفقية وعمودية بين دور نشر ومطابع ومكتبات شاركت في طلبات العروض، محذراً من أن تداخل الملكية والعلاقات التجارية والعائلية يمكن أن يؤثر في استقلالية العروض المقدمة للوزارة.
لكن الملف لم ينته عند رأي 2009، إذ عاد مجلس المنافسة سنة 2023 إلى السوق نفسها بمبادرة منه، وأصدر في 27 يوليوز الرأي رقم ر/2/23 حول السير التنافسي لسوق الكتاب المدرسي، ليخلص إلى أن عدداً من الاختلالات التي أثارها قبل سنوات ظلت قائمة، وأن السوق بقيت عملياً مغلقة في مرحلة مهمة من مراحلها بعدما توقفت المنافسة على عدد من المقررات منذ 2008.
الأرقام التي وضعها المجلس في ذلك الرأي تجعل القضية تتجاوز نقاش أسعار الكتب إلى نموذج اقتصادي كامل تتحمل الأسر جزءاً كبيراً من كلفته مع كل دخول مدرسي، إذ قدر حجم الإنتاج السنوي بما بين 25 و30 مليون نسخة، وذهب أبعد من ذلك عندما وصف جزءاً من هذه المقررات بأنها كتب مصممة للاستعمال مرة واحدة، بمعدل يتراوح بين ثلاثة وأربعة كتب في المتوسط لكل تلميذ سنوياً، مع ما يترتب عن ذلك من هدر للموارد والمواد والطاقة.
وبالنسبة للأسرة، لا يتعلق الأمر بهدر نظري، لأن الكتاب الذي تُملأ تمارينه وخاناته مباشرة داخل صفحاته يصبح، في حالات كثيرة، صعب الانتقال من الأخ الأكبر إلى الأصغر، كما تتقلص قيمته في سوق الكتاب المستعمل، لتجد الأسرة نفسها مضطرة إلى اقتناء نسخة جديدة في كل موسم، في وقت يتزامن فيه الدخول المدرسي أصلاً مع ضغط الغلاء وتعدد مصاريف الكتب والدفاتر واللوازم.
وهذه النقطة تكتسب وزناً أكبر لأن مجلس المنافسة نفسه حدد بوضوح من يصنع الطلب ومن يؤدي الثمن، إذ سجل أن مصالح وزارة التربية الوطنية، وخاصة الأكاديميات الجهوية، هي التي تحدد في نهاية المطاف الكتب التي يتعين اقتناؤها والطبعات المعتمدة مع كل دخول مدرسي، فيما يتولى آباء وأولياء التلاميذ عملية الشراء، ما يجعل المواطن الطرف الذي تصل إليه كلفة هذا النموذج مباشرة.
وفي المقابل، لا تبدو السوق موزعة بالتساوي بين عدد كبير من الفاعلين كما قد يوحي العدد الظاهر لدور النشر، إذ خلص المجلس إلى أن المجموعات الأربع الأولى تستحوذ على أكثر من 53 في المائة من سوق الكتاب المدرسي، وترتفع النسبة إلى 63 في المائة عند إضافة المجموعة الخامسة، معتبراً أن السوق تعرف تركيزاً اقتصادياً مرتفعاً مكّن مجموعات نشر من اكتساب قوة سوقية مؤثرة.
والأكثر حساسية أن مجلس المنافسة لم يكتف بوصف السوق بأنها مركزة، بل سجل أن غياب طلبات منافسة جديدة للمقررات المعنية أدى إلى استمرار الناشرين أنفسهم لسنوات طويلة، رغم أن دفاتر التحملات كانت تحدد في الأصل مدة حياة الكتاب في ثلاث سنوات، قبل أن تتحول التمديدات إلى آلية متكررة، وهو وضع وصفه المجلس بأنه شكل من «الريع المقنّع»، سمح باستمرار الناشرين أنفسهم داخل السوق لسنوات طويلة.
وفي خلاصاته النهائية، كان توصيف المجلس أكثر وضوحاً، إذ اعتبر سوق الكتاب المدرسي مغلقة بالكامل في مرحلة المنبع، متحدثاً عن نشوء «وضعيات ريع حقيقية» استفاد منها الناشرون أنفسهم الذين جرى اختيارهم منذ سنوات طويلة، مع بقاء حصصهم السوقية شبه مستقرة طوال تلك الفترة.
ولا يتعلق الأمر بسوق هامشية، فقد قدر مجلس المنافسة رقم معاملات الكتاب المدرسي بنحو 400 مليون درهم سنوياً وفق المعطيات التي اعتمدها في رأيه، معتبراً أن هذه السوق تشكل أكثر من نصف رقم معاملات سوق النشر المقدر بنحو 800 مليون درهم، ما يجعل الكتاب المدرسي أحد أهم مصادر مداخيل جزء من الفاعلين في النشر والتوزيع.
هنا يطرح السؤال نفسه على مجلس المنافسة، وليس على الوزارة والناشرين فقط، فالمؤسسة التي كشفت منذ 2009 روابط واختلالات داخل السوق، ثم عادت في 2023 لتتحدث عن تركيز مرتفع وريع وكتب ذات استعمال واحد، تملك وفق اختصاصاتها القانونية سلطة تقريرية في مجال الممارسات المنافية للمنافسة، كما تملك حق التصدي التلقائي للممارسات التي يمكن أن تؤثر في حرية المنافسة.
غير أن ملف الكتاب المدرسي الذي أعيد فتحه سنة 2023 انتهى، وفق التصنيف الرسمي المنشور للمجلس، إلى رأي استشاري حول السير التنافسي للسوق، بينما تكشف ملفات أخرى أن المجلس يستطيع، عندما تتوفر الشروط القانونية والقرائن المتعلقة بممارسات منافية للمنافسة، الانتقال من التشخيص إلى التحقيق والتبليغ بالمآخذ واتخاذ القرارات.
ولا يعني ذلك أن مجرد وجود التركيز أو الريع كما وصفه التقرير يشكل تلقائياً مخالفة تستوجب العقوبة، لأن العقوبات تحتاج إلى إثبات ممارسات محددة وفق قانون حرية الأسعار والمنافسة، لكنه يفتح سؤالاً مشروعاً حول ما وقع بعد التشخيص: ماذا تغير فعلياً في سوق قال المجلس نفسه إنها مجمدة، وإن بعض ناشريها احتفظوا بمواقعهم لسنوات، وإن نموذجها ينتج ملايين الكتب الموجهة إلى الاستعمال مرة واحدة؟
ومع دخول مدرسي جديد، لا تحتاج الأسرة المغربية إلى رأي آخر ليخبرها بحجم الغلاء، فهي تختبره مباشرة أمام المكتبات كل شتنبر، خصوصاً حين يكون لديها طفلان أو ثلاثة ويتعذر عليها تمرير جزء من المقررات من ابن إلى آخر بسبب طبيعة الكتاب نفسه.
بعد 17 سنة على رأي 2009، وثلاث سنوات على تشخيص 2023، يصبح السؤال أبعد من هوامش الربح وعدد دور النشر: كم رأياً يحتاج سوق الكتاب المدرسي قبل أن يرى المواطن أثراً فعلياً في كلفة الدخول المدرسي؟ ولماذا يستمر نموذج يجعل ملايين الكتب صالحة عملياً لموسم واحد، بينما يواجه الآباء غلاءً يتجدد مع كل شتنبر؟
