بقلم: الباز عبدالإله
انتقل الجدل الذي خلفته أحداث سبتة في نهاية يوليوز الماضي إلى البرلمان الألماني، بعدما فتحت مساءلة رسمية جديدة ملف التعاون الألماني المغربي في مجال الهجرة، مطالبة الحكومة الفيدرالية بالكشف عن حجم التمويلات الألمانية والأوروبية وتمويلات بنك التنمية الألماني KfW التي استفاد منها المغرب منذ سنة 2023، وما تحقق مقابلها من نتائج في تدبير الهجرة والحدود والعودة وإعادة الإدماج.
وتكشف الوثيقة رقم 21/7806، المنشورة من طرف البوندستاغ والمؤرخة في 2 شتنبر 2026، عن 17 سؤالاً وجهها نواب من كتلة البديل من أجل ألمانيا «AfD» إلى الحكومة الألمانية بشأن التعاون الألماني المغربي في مجال الهجرة والأحداث على الحدود مع سبتة وتاراخال في يوليوز وغشت 2026.
وحتى الآن، لم يظهر جواب منشور للحكومة الفيدرالية على هذه الأسئلة، ما يجعل مضمون الوثيقة مساءلة برلمانية وليس نتائج تحقيق أو خلاصات حكومية مثبتة.
وتبرز أكثر الأسئلة حساسية في السؤال الخامس عشر، حيث يطلب النواب من الحكومة الألمانية تحديد الأموال الألمانية، والأوروبية بحسب المعلومات المتوفرة لديها، وتمويلات KfW التي تلقاها المغرب منذ 2023 في مجالات الهجرة وتدبير الحدود والعودة وإعادة الإدماج، مع تفصيلها حسب الجهة المانحة والسنة والغرض من التمويل، بما في ذلك التمويلات المباشرة وغير المباشرة عبر آليات الاتحاد الأوروبي ومبادرات «Team Europe».
ولا تتوقف المساءلة عند حجم الأموال، إذ تطالب برلين أيضاً بكشف ما تحقق عملياً داخل البرامج التي تنفذها الوكالة الألمانية للتعاون الدولي «GIZ» ووزارة التعاون الاقتصادي والتنمية «BMZ» بالمغرب خلال سنتي 2025 و2026.
ويطالب السؤال الثالث عشر بتقديم بيانات تفصيلية تشمل مدة كل مشروع، والاعتمادات المرصودة والمبالغ المصروفة، ومؤشرات الأهداف ومعايير النجاح، وعدد الأشخاص الذين استفادوا من الاستشارة، وعدد حالات العودة الطوعية، وعدد الأشخاص الذين تم توجيههم نحو مسارات قانونية للهجرة من أجل العمل، فضلاً عن التقييمات الخارجية ونسب النجاح أو الانقطاع المسجلة داخل هذه البرامج.
وتفتح هذه الأسئلة عملياً ملفاً يتجاوز معرفة حجم التمويل إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بكيفية قياس مردوديته والنتائج المحققة مقابله، خصوصاً بعد أحداث سبتة التي أعادت مسألة مراقبة الحدود والتنسيق مع المغرب إلى قلب النقاش الأوروبي.
ويطلب النواب في سؤال آخر من الحكومة الألمانية تقييم فعالية الشراكة الألمانية المغربية في مجال الهجرة، بما فيها «المجموعة الدائمة المختلطة للهجرة»، في منع التحركات غير النظامية واسعة النطاق نحو سبتة، مع تحديد الأهداف التي تعتبر برلين أنها تحققت والأهداف التي ترى أنها لم تتحقق.
كما يطالب السؤال العاشر الحكومة الفيدرالية بالكشف عن المعايير القابلة للقياس التي تستخدمها لتقييم نجاح الشراكة مع المغرب، فيما يستفسر السؤال الحادي عشر عما إذا كانت برلين تعتزم إخضاع التعاون الألماني المغربي في مجال الهجرة لتقييم جديد بعد أحداث سبتة، وما إذا كانت ستدخل تعديلات على آليات الإنذار المبكر والتنسيق بين الطرفين.
وتذهب الوثيقة إلى منطقة أكثر حساسية حين تطالب الحكومة الألمانية بتوضيح ما إذا كانت أجهزتها قد توصلت، بين أبريل ويوليوز الماضيين، بمعلومات أو تقديرات أو إنذارات مبكرة بشأن احتمال ارتفاع الضغط على الحدود المغربية مع سبتة.
وتشمل الجهات التي تسأل الوثيقة عن معطياتها الاستخبارات الخارجية الألمانية «BND»، والشرطة الفيدرالية، والشرطة الجنائية، والمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، والسفارتين الألمانيتين في الرباط ومدريد، إضافة إلى «يوروبول» و«فرونتكس».
ويطرح السؤال الرابع تحديداً ما إذا كانت الحكومة الألمانية قد تلقت قبل 30 يوليوز 2026 مؤشرات حول احتمال تخفيف مراقبة الحدود المغربية أو ارتفاع تعبئة أشخاص في اتجاه تاراخال، وما إذا عُقدت اجتماعات لتقييم الوضع أو طُلبت إجراءات معينة من الحكومة المغربية.
غير أن هذه الصياغة تظل سؤالاً برلمانياً ولم تقدم الوثيقة أي دليل يثبت وقوع تخفيف متعمد للمراقبة من جانب السلطات المغربية، وهو ما يفرض الفصل بين الفرضيات التي يطرحها النواب وبين الوقائع التي قد تكشفها إجابة الحكومة الألمانية لاحقاً.
وتربط المساءلة ملف سبتة مباشرة بالحوار الاستراتيجي المغربي الألماني الذي انعقد في الرباط يوم 30 أبريل 2026 بين وزير الخارجية ناصر بوريطة ونظيره الألماني يوهان فاديفول، إذ تطالب بالكشف عن المواضيع التي نوقشت في ملفات الهجرة والعودة وتدبير الحدود والهجرة القانونية وإعادة الإدماج، فضلاً عن الاتفاقات أو التفاهمات العملية التي تم التوصل إليها خلال سنتي 2025 و2026.
وكانت وزارة الخارجية الألمانية قد أكدت رسمياً عقب ذلك الاجتماع أن الهجرة، والهجرة المهنية، والعودة وإعادة القبول، إلى جانب مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود والإرهاب، تندرج ضمن محاور الحوار الاستراتيجي بين البلدين.
كما تبنت برلين، مباشرة بعد أحداث سبتة، موقفاً أكثر توازناً من مضمون الأسئلة البرلمانية، إذ أعلنت وزارة الخارجية الألمانية في 31 يوليوز أن الوزير يوهان فاديفول كان على اتصال بنظيريه المغربي والإسباني، ورحبت باستعداد المغرب لمواصلة التعاون مع إسبانيا لضمان أمن الحدود وإعادة الأشخاص الذين عبروا بصورة غير نظامية.
ويبرز هذا المعطى الفارق بين موقف الحكومة الألمانية الرسمي، الذي شدد على استمرار التعاون مع الرباط، وبين المساءلة البرلمانية التي تقدم بها نواب AfD وتطلب إخضاع التمويلات والنتائج وآليات مراقبة الحدود لتدقيق سياسي أوسع.
وتطلب الوثيقة كذلك معرفة ما إذا كان الطرفان قد اتفقا على مؤشرات أو عتبات أو معايير للإنذار المبكر في مجال مراقبة التحركات غير النظامية، وهي نقطة تكتسب وزناً خاصاً بعد الأحداث التي عرفتها سبتة أسابيع قليلة بعد اجتماع الرباط.
وبهذا تنتقل الأسئلة الألمانية من منطق التعاون الدبلوماسي العام إلى منطق أكثر ارتباطاً بالمحاسبة على النتائج: كم تم تمويله؟ ما الذي أُنجز؟ ما الذي لم يتحقق؟ وما هي المؤشرات التي تستخدم للحكم على نجاح الشراكة؟
ولا تعني المساءلة وجود تحقيق في طريقة صرف الأموال داخل المغرب أو اتهام السلطات المغربية بأي مخالفة مالية، لكنها تفتح مساراً برلمانياً رسمياً يطلب تفصيل التمويلات الموجهة للمغرب منذ 2023 وربطها بمؤشرات الأداء ونتائج البرامج، بالتزامن مع إعادة طرح فعالية التعاون في مجال الهجرة بعد أزمة سبتة.
وستبقى القيمة السياسية والمالية الكاملة للوثيقة مرتبطة بجواب الحكومة الألمانية، إذ قد يكشف الرد المنتظر بصورة مجمعة حجم التمويلات الألمانية والأوروبية المرتبطة بملف الهجرة نحو المغرب منذ 2023، إلى جانب مؤشرات النجاح أو التعثر التي تعتمدها برلين للحكم على واحدة من أكثر الشراكات حساسية بين المغرب والاتحاد الأوروبي.
