بقلم: عبد الفتاح الحيداوي
حين تمر شاحنة النظافة لتنظيف الحي ثم تترك خلفها عصارة النفايات والروائح الكريهة، فإن المشكلة لا تعود في الأزبال وحدها، بل في الطريقة التي يُدبر بها مرفق عمومي يفترض أن تكون مهمته حماية نظافة المدينة وصحة سكانها، لا أن يتحول هو نفسه إلى مصدر جديد للتلوث.
هذا ما يشتكي منه سكان حي السلام بمدينة سلا، وتحديداً بشارع عمر بن عبد العزيز قرب حديقة الباسكيط، حيث يؤكد عدد منهم أن شاحنة جمع النفايات تقوم بشكل متكرر بضغط حمولتها وسط الشارع، قبل أن تتسرب منها سوائل كريهة الرائحة وتبقى آثارها فوق الطريق بعد مغادرتها.
مشهد يضع مسؤولي مدينة سلا أمام سؤال محرج: كيف يمكن لخدمة تحمل اسم «النظافة» أن تترك وراءها ما يحتاج إلى عملية تنظيف أخرى؟
المواطن لا يقيس جودة هذا المرفق بعدد الشاحنات التي تجوب المدينة، ولا بعدد العمال المنتشرين في الشوارع، ولا بالبلاغات والصور التي تتحدث عن حملات النظافة، بل يقيسها بالنتيجة التي يراها ويشمها أمام منزله.
وحين تمر شاحنة جمع الأزبال ثم يبقى الشارع ملوثاً بعصارة النفايات وروائحها، فإن النتيجة تصبح نقيضاً للوظيفة التي وجدت من أجلها هذه الخدمة.
الأكثر إثارة للقلق أن الأمر، وفق ما ينقله السكان، لا يتعلق بحادث معزول يمكن اعتباره خطأ عابراً أو عطلاً تقنياً طارئاً، وإنما بممارسة تتكرر في المكان نفسه.
وعندما يتكرر الخطأ بالطريقة نفسها، لا يعود السؤال متعلقاً بالشاحنة وحدها، بل بمن كان يفترض أن يراقبها ويمنع استمرار الوضع.
هنا تبدأ المسؤولية الحقيقية.
أين جماعة سلا من هذه الشكايات؟ ومن يراقب فعلياً طريقة اشتغال الجهة المكلفة بتدبير قطاع النظافة؟ وهل تخضع الشاحنات لمراقبة تقنية وميدانية منتظمة؟ وهل توجد آليات لرصد مثل هذه الاختلالات قبل أن يضطر المواطن إلى حمل هاتفه وتصويرها ونشرها؟
لأن المواطن ليس مفتشاً تابعاً للجماعة، وليس مطلوباً منه أن يتحول كل يوم إلى مراقب لخدمات يفترض أن هناك إدارات ومسؤولين يتقاضون أجورهم من أجل مراقبتها.
وفي المقابل، سيكون من السهل اختزال القضية في سائق الشاحنة أو عامل النظافة وتحميله المسؤولية كاملة، لكن ذلك لن يجيب عن أصل المشكل.
فالعامل يتحرك داخل منظومة لها مسؤولون ومراقبون وتعليمات، وهناك جهة تدبر الخدمة، وعقد يحدد الالتزامات، ودفتر تحملات، وجماعة يفترض أنها لا تفوض القطاع ثم تغادر المشهد، بل تراقب كيفية تنفيذ الخدمة ومدى احترام شروطها.
إذا كانت الشاحنة تعاني خللاً تقنياً يؤدي إلى تسرب عصارة النفايات، فمن سمح لها بمواصلة العمل؟ وإذا كان ضغط الأزبال بهذه الطريقة وسط شارع سكني إجراءً عادياً، فهل تسمح شروط الخدمة بأن يتم ذلك عندما يؤدي إلى تسرب السوائل وانتشار الروائح وسط السكان؟ وإذا كانت الجهة المكلفة بالخدمة تعلم بالمشكل ولم تعالجه، فهناك مسؤولية تستوجب التوضيح والمساءلة.
أما إذا كانت الجهات المكلفة بالمراقبة لا تعلم أصلاً بما يتكرر في شارع سكني معروف، فإن السؤال يصبح أكثر إحراجاً: ماذا تراقب إذن؟
مدينة بحجم سلا لا يمكن أن يُدبر فيها قطاع حساس مثل النظافة بمنطق انتظار شكايات السكان أو منشورات مواقع التواصل الاجتماعي قبل التحرك.
المراقبة الحقيقية تبدأ من الميدان، من حالة الشاحنات، وطريقة جمع وضغط النفايات، ومنع تسرب العصارة، واحترام شروط الصحة والسلامة والبيئة.
ولا يمكن للمواطن أن يبقى عالقاً في متاهة بين الجماعة والمقاطعة والجهة المكلفة بالخدمة والمصالح الإدارية، كلما ظهرت مشكلة.
بالنسبة إليه، المسؤولية بسيطة: هناك خدمة عمومية تؤدى باسمه، ومن حقه أن يحصل عليها في مستوى يحفظ نظافة شارعه وكرامته.
هو لا يطلب المستحيل.
لا يطلب مشروعاً بملايين الدراهم، ولا مرفقاً جديداً، ولا استثماراً ضخماً.
يطلب فقط ألا تترك شاحنة النظافة القذارة وراءها.
واستمرار الشكايات يجعل التدخل الميداني أمراً ضرورياً، ليس فقط لمعاينة الشاحنة المعنية وطريقة اشتغالها، بل للتحقق من حالتها التقنية، ورصد أسباب تسرب عصارة النفايات، وتحديد المسؤول عن السماح باستمرار الممارسة إن ثبتت، واتخاذ الإجراءات التي تمنع تكرارها.
كما أن جمع الأزبال لا ينتهي بمجرد رفع الحاوية وإفراغها داخل الشاحنة.
فإذا بقيت العصارة فوق الإسفلت وأمام المنازل، فإن جزءاً من النفايات قد يكون غادر الحاوية فعلاً، لكن جزءاً من المشكلة بقي في المكان.
القضية قد تبدو صغيرة لمن ينظر إليها من داخل مكتب إداري، لكنها ليست صغيرة بالنسبة لمن يفتح نافذة منزله فيجد نفسه أمام رائحة النفايات، أو لمن يمر يومياً من شارع تبقى فيه آثار السوائل المتسربة.
وهذه التفاصيل هي التي تحدد في النهاية قيمة الخدمة العمومية في نظر المواطن، وليس حجم الخطاب الذي يرافقها.
فالنظافة ليست ملفاً ثانوياً يمكن اختزاله في مرور الشاحنات. إنها مرتبطة بالصحة العامة والبيئة وجودة الحياة، ومسؤولية المنتخب أو المسؤول الإداري لا تبدأ عند المشاريع الكبرى والصفقات والتدشينات، بل تظهر أولاً في قدرة المدينة على تدبير أبسط تفاصيل الحياة اليومية للسكان.
لهذا، لا ينبغي أن يبقى السؤال محصوراً في الشاحنة.
السؤال يجب أن يصل إلى من يدبر، ومن يراقب، ومن يوقع، ومن يتابع، ومن يفترض أن يتدخل عندما تظهر الاختلالات.
من يراقب الجهة المكلفة بالنظافة في سلا؟
من يراقب حالة الشاحنات وطريقة اشتغالها؟
من يتأكد من احترام شروط الخدمة؟
ومن يتحرك عندما يشتكي المواطن ويتكرر المشكل؟
ثم، قبل كل شيء، من يحاسب المقصر عندما تتحول خدمة النظافة نفسها إلى مصدر للتلوث؟
سكان حي السلام لا يطالبون بمعاملة استثنائية. مطلبهم لا يحتاج إلى ميزانية إضافية ولا إلى سنوات من الدراسات والاجتماعات.
يريدون فقط أن تمر شاحنة النظافة فتترك الشارع أنظف مما وجدته، لا أن تترك وراءها الرائحة نفسها التي جاءت لإزالتها.
وإذا استمرت هذه الممارسة رغم الشكايات، فمن حق السكان أن يسألوا عن معنى المراقبة، وعن جدوى العقود ودفاتر التحملات، وعن المسؤول الذي كان يفترض أن يتحرك قبل أن يصبح الاختلال عادة.
لأن عصارة النفايات قد تجف في النهاية، وقد تجرفها المياه من الطريق.
لكن ما يصعب تنظيفه هو الشعور بأن أحداً لا يراقب.
وعندما تصبح رائحة الإهمال أقوى من رائحة الأزبال، فالمشكلة لم تعد في شاحنة النظافة وحدها، بل فيمن كان يفترض أن يمنعها من تلويث الشارع.
