بقلم: الباز عبدالإله
كشف المجلس الأعلى للحسابات، ضمن تقريره حول تنفيذ قانون المالية لسنة 2024 المنشور بتاريخ 8 يوليوز 2026، عن فجوة كبيرة بين حصيلة منتوجات الاحتكارات والاستغلالات والمساهمات المالية للدولة التي تتوقع قوانين المالية تحصيلها، وبين الموارد التي تدخل فعلياً إلى الميزانية العامة.
وبجمع الفوارق الواردة في الجدول رقم 89 من التقرير، بلغ مجموع القصور عن التوقعات 9.1699 مليارات درهم خلال السنوات المالية 2022 و2023 و2024، وهي سنوات تندرج كاملة ضمن الولاية الحكومية الحالية.
وسجل الفارق السلبي 839.9 مليون درهم سنة 2022، قبل أن يقفز إلى 5.4765 مليارات درهم سنة 2023، ثم يستقر عند 2.8535 مليار درهم سنة 2024.
وتكشف الأرقام التفصيلية أن سنة 2023 كانت الأكثر ابتعاداً عن التوقعات، بعدما راهنت الدولة على تحصيل 19.4639 مليار درهم، بينما لم تتجاوز الموارد الفعلية 13.9874 مليار درهم، بنسبة إنجاز بلغت 71.9 في المائة.
أما سنة 2024، فقد حدد قانون المالية التوقعات في 19.48 مليار درهم، مقابل تحصيل فعلي بلغ 16.6265 مليار درهم، أي بفارق سلبي قدره 2.8535 مليار درهم ونسبة إنجاز حسابية تقارب 85.4 في المائة.
ويظهر تفصيل حصيلة 2024 أن الفارق السلبي نجم أساساً عن تسجيل أتاوى احتلال الأملاك العامة والموارد الأخرى حصيلة أقل من التوقعات بـ4.0975 مليارات درهم، إلى جانب نقص قدره 1.8468 مليار درهم في الأرباح الآتية من الشركات ذات المساهمة العمومية.
وساهمت نتائج إيجابية في تقليص حجم الفجوة، بعدما تجاوزت الموارد المتأتية من المؤسسات المالية التوقعات بـ994 مليون درهم، كما فاقت عوائد الاحتكار وحصص الأرباح ومساهمات المؤسسات العامة التقديرات بنحو 2.0968 مليار درهم.
وسجل المجلس أن الفوارق بين التوقعات والتحصيل، التي ظلت في مستويات مقبولة خلال الفترة الممتدة من 2016 إلى 2019، «تفاقمت ابتداء من 2020 بشكل ملحوظ»، مرجعاً هذا التطور إلى عاملين رئيسيين.
ويرتبط العامل الأول، بحسب التقرير، بإدراج تقديرات تخص مؤسسات «لا يترتب عنها تحصيل فعلي»، بينما يتمثل العامل الثاني في احتفاظ بعض المؤسسات والمقاولات العمومية بجزء أكبر من أرباحها من أجل تمويل برامجها الاستثمارية، بما يؤثر مباشرة في التحويلات الموجهة إلى الميزانية العامة.
ولا تتوقف ملاحظات المجلس عند المجاميع السنوية، إذ يكشف جدول المنشآت غير المساهمة أو ذات المساهمة غير المنتظمة عن إدراج تقديرات متكررة لمؤسسات لم تحول أحياناً أي مساهمة فعلية طيلة سنوات.
وتظهر حدة إشكال التوقع في حالة صندوق التجهيز الجماعي، بعدما أُدرجت له تقديرات متراكمة بلغت 850 مليون درهم خلال الفترة الممتدة من 2016 إلى 2024، بينما ظل التحصيل الفعلي صفراً.
أما صندوق الإيداع والتدبير، فبلغت التقديرات المرتبطة به 922 مليون درهم، مقابل تحصيل متراكم لم يتجاوز 88 مليوناً ومساهمة وحيدة سجلت سنة 2020.
كما غابت مساهمة القرض الفلاحي للمغرب منذ سنة 2017، رغم تسجيل تقديرات متراكمة بقيمة 700 مليون درهم خلال الفترة المدروسة، بينما بلغت التحصيلات المتراكمة 102 مليون درهم فقط.
وتوقفت مساهمة المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن منذ سنة 2020، مع تسجيل تقديرات متراكمة بلغت 830 مليون درهم مقابل تحصيلات في حدود 460 مليوناً.
وأظهر التقرير أيضاً غياب مساهمة مجموعة التهيئة «العمران» برسم سنة 2024، رغم بلوغ تقديراتها المتراكمة 1.658 مليار درهم مقابل تحصيلات قدرها 1.610 مليار، كما غابت مساهمة الهيئة المغربية لسوق الرساميل خلال السنة نفسها، بعدما سجلت تقديرات متراكمة بـ191 مليون درهم وتحصيلات بـ153 مليوناً.
ولا تنحصر الفجوة في السنوات الثلاث الأخيرة، إذ بلغ الفارق التراكمي السلبي بين التقديرات والتحصيل نحو 20.9676 مليار درهم خلال الفترة 2016-2024، بعدما وصلت توقعات قوانين المالية إلى 123.4121 مليار درهم، مقابل تحصيلات فعلية بقيمة 102.4445 مليار، وبنسبة إنجاز إجمالية لم تتجاوز 83.01 في المائة.
وقدمت وزارة الاقتصاد والمالية قراءة مغايرة لحجم الفارق، موضحة أن الاقتصار على الموارد العادية المرتبطة مباشرة بالأداء الاقتصادي والمالي للمؤسسات والمقاولات العمومية يخفض الفارق التراكمي خلال الفترة 2016-2024 إلى نحو 2.2 مليار درهم، بنسبة إنجاز تقارب 98 في المائة.
وأوضحت الوزارة أن تحديد مساهمة كل مؤسسة لا يخضع فقط لهدف تعبئة الموارد، بل يرتكز أيضاً على النتائج المالية المحققة والتوقعات ومؤشرات الأداء وبرامج الاستثمار ومستوى المديونية والسيولة وحاجيات التمويل الذاتي، بما يضمن استدامة نشاط المؤسسة وقدرتها على تنفيذ مشاريعها والتزاماتها.
غير أن جداول المجلس توثق، في المقابل، حالات انتهت فيها التقديرات المتراكمة إلى صفر تحصيل، وأخرى اقتصرت مساهماتها على سنة واحدة أو انقطعت لسنوات، وهو ما يضع دقة منهجية التوقع وقابلية هذه الموارد للبرمجة تحت المجهر.
وخلص المجلس إلى أن عدم انتظام مساهمات المؤسسات والمقاولات العمومية يجعل توقعها صعباً، رغم وجود آليات مؤسساتية يمكن توظيفها، من بينها عقود البرامج، داعياً إلى اعتماد منهجية رشيدة وشفافة في توزيع الأرباح وضمان انتظام المساهمات وقابليتها للتوقع.
وتعني فجوة 9.17 مليارات درهم المسجلة بين 2022 و2024 فرقاً بين ما برمجته قوانين المالية وما دخل فعلياً إلى الميزانية، وليس أموالاً ثبت ضياعها.
غير أن ملاحظة المجلس تضع صدقية التوقعات نفسها تحت المجهر، بعدما استمرت البرمجة لفائدة مؤسسات انتهت مساهماتها أحياناً إلى صفر تحصيل، وهو ما يحول المسألة من مجرد فارق حسابي إلى سؤال مباشر حول جودة إعداد موارد الميزانية ودقة الفرضيات التي تبني عليها الحكومة توازناتها المالية.
