وجّه الكاتب والباحث إدريس الكنبوري انتقاداً حاداً إلى الأحزاب التي قادت الحكومة خلال الولاية المنتهية، معتبراً أن اقتراب انتخابات 23 شتنبر 2026 كشف انقلاباً سياسياً لافتاً، بعدما تحولت مكونات الأغلبية نفسها إلى ما يشبه «معارضة لحصيلتها»، وصار بعضها يتبادل الاتهامات حول ملفات وقرارات وسياسات تحملت مسؤوليتها جماعياً طوال سنوات الحكم.
الكنبوري اعتبر، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع «فيسبوك»، أن الأحزاب الثلاثة التي قادت الحكومة طوال خمس سنوات غيّرت خطابها بالكامل بمجرد دخول البلاد أجواء الانتخابات، بعدما كانت، بحسب وصفه، شريكة في تدبير مرحلة طبعها الغلاء والزيادات والجدل حول الصفقات والعلاقة بالإعلام، لتتحول اليوم إلى أحزاب تنتقد بعضها بعضاً وكأنها لم تكن مجتمعة داخل الحكومة نفسها.
ووضع الكاتب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، خصوصاً، في قلب هذا التناقض، معتبراً أن الحزبين أصبحا «ضد نفسيهما»، بعدما انتقلا من الدفاع المشترك عن التجربة الحكومية إلى تبادل الاتهامات ومحاولة كل طرف تحميل الآخر مسؤولية الاختلالات التي عرفتها السنوات الماضية.
وبلغة سياسية شديدة القسوة، لخّص الكنبوري المشهد بالقول إن الأحزاب التي كانت، بتعبيره، «تأكل من نفس المائدة» تحاول اليوم إقناع المواطنين بأن كل طرف منها كان بعيداً عن مسؤولية الحصيلة، رغم أنها ظلت مجتمعة داخل أغلبية واحدة، وشاركت في اتخاذ القرارات والتصويت عليها والدفاع عنها طوال الولاية.
أشد ما تضمنته التدوينة هو اعتبار الكنبوري أن عجز مكونات الأغلبية عن تقديم دفاع موحد عن حصيلتها يمثل، في نظره، دليلاً سياسياً على حجم مأزق التجربة الحكومية، إذ ذهب إلى وصفها بأنها «أسوأ حكومة في تاريخ المغرب»، وهو توصيف سياسي شديد الحدة يعكس موقف الكاتب، وبناه على ما يراه تبرؤاً متبادلاً من نتائج خمس سنوات من التدبير بدل التنافس على نسب الإنجازات إليها.
المفارقة التي يضعها الكنبوري أمام الناخب تبدو محرجة سياسياً: كيف يمكن لأحزاب حكمت معاً خمس سنوات أن تتحول عشية الاقتراع إلى خصوم يتبادلون الحديث عن الفساد وسوء التدبير؟ وإذا كانت الاتهامات التي يوجهها بعضها إلى بعض جدية، فمن كان يتحمل المسؤولية عندما كانت الأطراف نفسها تجتمع داخل الحكومة وتصوت على قوانينها وميزانياتها وتدافع عن قراراتها؟
وهاجم الكنبوري أيضاً الطفرة المفاجئة في الوعود الاجتماعية خلال الحملة الانتخابية، معتبراً أن الأحزاب التي يتهمها بإفقار المواطنين والضغط على قدرتهم الشرائية عادت اليوم لتقدم نفسها باعتبارها مستعدة للعطاء بسخاء، رغم أنها، بحسب قراءته، سبق أن قدمت وعوداً واسعة خلال انتخابات 2021 قبل أن تأتي سنوات الحكم بنتائج مختلفة عما انتظره جزء من الناخبين.
وربط الكاتب هذه المفارقة بمصداقية النخب التي تبحث عن التزكيات والمقاعد، وذهب إلى حد الحديث عن أشخاص يدفعون أموالاً للحصول على تزكية حزبية، مستحضراً رقماً يصل إلى «200 مليون». غير أن هذا الرقم ورد في سياق اتهام سياسي ضمن التدوينة، من دون أن يقدم الكنبوري، بحسب النص المنشور، وثيقة أو حكماً قضائياً يثبت واقعة محددة، لذلك يظل ادعاءً منسوباً إليه وليس واقعة مثبتة.
وحمل الجزء الأخير من التدوينة أقسى رسائلها إلى الناخبين، بعدما ربط الكنبوري بين شراء التزكية وفكرة الدخول إلى السياسة بحثاً عن الاغتناء، متسائلاً كيف يمكن انتظار خدمة المواطنين ممن يكون مستعداً أصلاً لدفع المال حتى يحصل على موقع انتخابي.
واستعان الكنبوري بالآية القرآنية «فلا تزكوا أنفسكم» ليصوغ منها رسالة سياسية مباشرة إلى الناخب، خلص فيها إلى أن المواطن، بحسب تعبيره، يجب ألا يمنح تزكيته الانتخابية لمن «زكّى نفسه بالمال».
تدوينة الكنبوري لا تضرب هذه المرة حزباً واحداً، بل تضرب أساس الخطاب الانتخابي للأغلبية المنتهية، ولا سيما الصراع بين الأحرار والبام: إما أن حصيلة السنوات الخمس كانت حصيلة مشتركة، وحينها تتحمل الأحزاب المشاركة مسؤوليتها السياسية مجتمعة، أو أن الاتهامات التي تتبادلها اليوم جدية، وحينها يصبح من حق المواطن أن يسأل لماذا لم تُطرح هذه الاتهامات عندما كان أصحابها يجلسون معاً حول طاولة الحكومة.
وبين حكومة الأمس ومعارضة اليوم، يضع الكنبوري الناخب أمام ذاكرة خمس سنوات لا أمام وعود أسابيع الحملة: تستطيع الأحزاب تغيير خطابها قبل صناديق الاقتراع، لكنها لا تستطيع تغيير حقيقة أنها كانت تحمل حقائب الحكومة، وتصوت على قراراتها، وتدافع عن اختياراتها.
