فجّرت مايسة الناجي واحدة من أشد التدوينات السياسية لهجة تجاه المشهد الحزبي الحالي، معتبرة أن ما يجري قبل الاستحقاقات الانتخابية لا يتعلق، في قراءتها، بتنافس حقيقي بين أحزاب وبرامج سياسية، وإنما بإعادة ترتيب مراكز القوة حول فوزي لقجع، الذي قالت إنه انتقل في ظرف وجيز من أحد أبرز وجوه حكومة عزيز أخنوش إلى موقع سياسي جديد يجري تقديمه باعتباره معارضاً للحكومة التي كان جزءاً أساسياً منها.
واختزلت الناجي قراءتها للمشهد بعبارة مباشرة قالت فيها: «ما كاين لا أحزاب لا برامج لا انتخابات.
الحزب الوحيد هو القصر»، معتبرة أن البرنامج الحقيقي للمرحلة حُدد، وفق رأيها، في تهيئة المغرب لتنظيم كأس العالم 2030، وأن موقع لقجع داخل هذا الورش جعله يتقدم، سياسياً ومؤسساتياً، على باقي الوجوه الحزبية.
وربطت الناجي هذا التحول بمؤسسة «المغرب 2030»، التي يتولى لقجع رئاستها باعتباره رئيس لجنة كأس العالم 2030–المغرب، معتبرة أن حجم الاختصاصات المرتبطة بالإعداد للمونديال وما يرافقه من أوراش جعل الرجل في قلب واحدة من أكبر عمليات إعادة تشكيل السلطة التنفيذية والتنموية في البلاد.
وقالت الناجي إن المشهد، في قراءتها، أصبح واضحاً منذ قبل الانتخابات، مضيفة أن منح لقجع موقعاً مركزياً داخل «المغرب 2030» وما راكمه من صلاحيات في تدبير الميزانية وتتبع الأوراش جعلا عدداً من الأعيان والفاعلين الانتخابيين يتحركون باتجاهه.
وذهبت أبعد من ذلك بالقول إن «الأعيان وسماسرة الانتخابات المتحكمين في الدوائر والجهات من كل حزب وصوب» التفوا حول لقجع بعدما استشعروا تغير موازين القوة، معتبرة أن التجمعات التي يحضرها وما يصاحبها من تعبئة جماهيرية ليست، في نظرها، منفصلة عن عملية إعادة التموضع السياسي الجارية.
لكن أكثر أجزاء تدوينة الناجي حدة كان ذلك المتعلق بعلاقة لقجع بعزيز أخنوش، إذ أعادت التذكير بأن الرجل لم يظهر من خارج التجربة الحكومية الحالية، وإنما كان وزيراً داخل حكومة أخنوش لسنوات، وواحداً من أبرز المسؤولين عن هندسة وتنفيذ سياساتها المالية.
ووصفت الناجي لقجع بأنه كان «صرّاف» الحكومة وواحداً من مهندسيها، وقالت إنه «مرر لها الميزانيات» ودافع عن عدد من خياراتها الاقتصادية، كما ظهر أكثر من مرة، بحسب تعبيرها، في موقع المدافع عن السياسات الحكومية ومبرراً لها أمام الرأي العام.
وأضافت أن لقجع، في تلك المرحلة، لم يكن معارضاً لأخنوش ولا لحكومته، بل كان، وفق وصفها، «صديقه الوفي»، معتبرة أن التحول السياسي الحالي يطرح سؤالاً مباشراً حول كيفية انتقال مسؤول ظل لسنوات في قلب القرار الحكومي إلى موقع منتقد التجربة نفسها مع اقتراب نهاية ولايتها.
وسخرت الناجي من هذا التحول بقولها إن الرجل أصبح «بين عشية وضحاها معارضاً ومناضلاً اشتراكياً»، قبل أن تستحضر الهتاف الذي رُفع باسمه: «ألقجع ارتاح ارتاح سنواصل الكفاح»، معتبرة أن المشهد يحمل مفارقة سياسية كبيرة عندما يُقدَّم أحد أبرز أعضاء الحكومة السابقة في صورة القادم لمحاربة اختيارات شارك بنفسه في صناعتها.
وبحسب الناجي، فإن الصورة تصبح أكثر تناقضاً عندما يرتفع الخطاب ضد «البرجوازية» وضد أخنوش نفسه، بينما كان لقجع، حسب تدوينتها، جزءاً من الحكومة التي أدارت السياسات الاقتصادية والمالية خلال السنوات الماضية.
وكتبت ساخرة أن المشهد أصبح «أكثر سخرية من عادل إمام في شاهد ما شافش حاجة»، معتبرة أن ما يحدث ليس خلافاً سياسياً طبيعياً بين أغلبية ومعارضة، وإنما انقلاب في المواقع داخل الدائرة نفسها.
ووصلت الناجي إلى أقسى توصيفاتها عندما اعتبرت ما يقع «منظراً مقرفاً لخيانة الأصدقاء الفاسدين لبعضهم»، قبل أن تصف التحولات الحالية بأنها «مسرحية» ترمي، وفق قراءتها، إلى منح غطاء انتخابي وسياسي لترتيب جديد داخل السلطة.
وربطت هذا السيناريو بحزب الأصالة والمعاصرة، معتبرة أن لقجع وفاطمة الزهراء المنصوري يمثلان، في تصورها، الواجهة السياسية الأبرز للمرحلة المقبلة، وأن الطريق يجري تمهيده أمام الحزب ليتصدر المشهد بعد نهاية تجربة أخنوش.
واعتبرت الناجي أن أخنوش نفسه أصبح جزءاً من مرحلة توشك على الانتهاء، مستعملة عبارة شديدة القسوة حين قالت إن «صلاحيته انتهت عند المخزن»، وإن الأرض السياسية التي تحرك فوقها خلال السنوات الماضية يجري، حسب توصيفها، «تجفيفها» تمهيداً لمرحلة جديدة.
غير أن الناجي ترى أن المشكلة الأساسية في السيناريو الذي تتوقعه تكمن في كونه أصبح، بحسبها، مكشوفاً أمام الرأي العام، معتبرة أن أي حكومة مقبلة لن تستطيع لعب الدور التقليدي نفسه المتمثل في امتصاص الغضب الاجتماعي وتحمل كلفة القرارات الصعبة بعيداً عن المؤسسة الملكية.
وقالت إن «الخدام الجدد لن يستطيعوا كما العادة تشكيل حكومة پارشوك تقي القصر من الغضب الشعبي»، مستحضرة في هذا السياق الجفاف وارتفاع الأسعار والأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة.
وختمت الناجي تدوينتها بتوقع سياسي شديد اللهجة، معتبرة أن صعود لقجع والمنصوري، بالطريقة التي تراها اليوم، قد يؤدي إلى كشف حدود النموذج الديمقراطي القائم بدل حمايته، وكتبت أن الاثنين «سينجحان في إنهاء المسار الديمقراطي وسيميطان اللثام عن ديمقراطية الواجهة».
وبالنسبة إلى الناجي، فإن القضية لم تعد، وفق هذا التصور، سؤالاً حول الحزب الذي سيفوز أو البرنامج الذي سيحصل على أصوات أكبر، وإنما حول طبيعة توزيع السلطة نفسها، ومن يصنع القرار قبل أن تصل صناديق الاقتراع إلى كلمتها الأخيرة.
