بقلم: الباز عبدالإله
اليوم الخميس 10 شتنبر، لم يكن مجرد محطة إدارية عادية في جدول أعمال آخر مجلس حكومي قبل الانتخابات، بل تحول إلى تعرٍّ سياسي كامل كشف المسافة بين ما يقال فوق المنصات وما يجد طريقه فعلاً إلى طاولة القرار.
خرج فوزي لقجع، بصفته الحزبية والوزارية، ليقول للمغاربة بلهجة لا تحتمل كثيراً من التأويل إن رفع «السميك» إلى 5000 درهم لا ينتظر سوى «كاشي» وزير التشغيل يوم الخميس.
وجاء اليوم الخميس، وانعقد المجلس، وانفض الاجتماع، فاختفى «الكاشي»، وغاب أي قرار برفع السميك إلى 5000 درهم عن أشغال المجلس المعلنة، بل وغاب عن الاجتماع الوزيران اللذان دار حولهما التصريح نفسه، فوزي لقجع ويونس السكوري، وفق المعطيات المنشورة عن الاجتماع.
هذه الواقعة لا تبدو مجرد ارتباك اتصالي عابر، بل تفتح الباب واسعاً أمام سؤال الاستخفاف بعقول المواطنين والطبقة الشغيلة.
كيف لوزير مكلف بالميزانية، قضى سنوات داخل قلب صناعة القرار المالي للدولة ويعرف مساطر الحكومة والحوار الاجتماعي، أن يختزل قراراً بهذه الحساسية في «ختم» إداري يبدو، من فوق منصة حزبية، وكأنه لا يحتاج سوى شحطة قلم؟
هل أصبحت المؤسسات تُدار بمنطق المهرجانات الحزبية، أم أن القرارات الاجتماعية الكبرى صارت بضاعة تُرفع في المزاد الانتخابي ثم تختفي عند أول اختبار رسمي؟
تقاذف الأرقام ومداعبة الآلام الاجتماعية للعمال في الأيام الأخيرة من عمر الولاية الحكومية يضع أيضاً رواية «الانسجام الحكومي» أمام امتحان قاسٍ، فالأحزاب التي تقاسمت الحكومة والقرارات طوال خمس سنوات دخلت الحملة الانتخابية وكأنها لم تكن شريكة في تدبير الملفات نفسها التي تتسابق اليوم إلى تقديم حلول سريعة لها.
وفجأة، عشية صناديق الاقتراع، أصبح رفع السميك إلى 5000 درهم موضوع مزايدة علنية بين مكونات الأغلبية نفسها؛ طرف يطرح الرقم، وطرف آخر يرد بأنه موافق ويطالب بتمريره الخميس، ثم يأتي اليوم الخميس ويجلس مجلس الحكومة، ولا يظهر القرار.
المغاربة لم يعودوا بحاجة إلى دروس شفوية للتمييز بين «الوعود الصادقة والوعود الانتخابية»، لأن هذا الخميس نفسه تكفل بتقديم اختبار عملي لهذه العبارة.
حين يُحدَّد للمواطن موعد واضح لاتخاذ قرار يمس أجره وقدرته الشرائية، ثم يمر الموعد من دون قرار ومن دون تفسير، تصبح المصداقية السياسية هي أول ما يوضع على المحك.
ولقجع يعرف أكثر من غيره أن الحد الأدنى للأجر لا يتغير بختم فردي ولا بتصريح فوق منصة، بل يمر عبر مساطر حكومية واجتماعية وتنظيمية معلومة.
لذلك يصبح السؤال أكثر إحراجاً: إذا كان الملف جاهزاً فعلاً، لماذا لم يمر اليوم الخميس؟ وإذا لم يكن جاهزاً، لماذا قيل للمغاربة إنه لا ينتظر سوى «الكاشي»؟
مضى اجتماع اليوم الخميس، وانفض المجلس، ولم يتبقَّ من الموعد المعلن سوى تصريح سياسي لم يجد صداه داخل مجلس الحكومة.
والآن لم يعد السؤال فقط: أين ذهبت 5000 درهم؟ بل من يتحمل مسؤولية تحديد موعد أمام المغاربة، ثم تركه يمر بلا قرار ولا تفسير؟
لقجع قال الخميس.
الخميس جاء.
المجلس انعقد.
والـ5000 درهم لم تأت.
فإذا كان موعدٌ سياسي حُدّد أمام المغاربة لم يصمد خمسة أيام أمام أول اختبار حكومي، فأي وزن يجب أن يمنحه المواطن للوعود التي توزَّع اليوم بسخاء على منصات الحملة لما بعد 23 شتنبر؟
