بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد وثائق التمويل الدولي مجرد أرقام تُعلن في البلاغات الرسمية ثم تمر في صمت.
ففي حالة برنامج أوروبي جديد بقيمة 112 مليون يورو لفائدة المغرب، تحولت وثيقة التمويل نفسها إلى تشخيص مفصل لما لا يزال عالقاً داخل منظومة تدبير المال العام: حسابات غير مُصدَّق عليها لسنوات، إصلاح محاسبي لم يكتمل، مخاطر مالية تحتاج إلى تقييم أكثر منهجية، وتأخر في بعض حلقات الرقابة يصل إلى 18 شهراً، بينما يتأخر تقرير الافتحاص، وفق المعطيات التي تستند إليها الوثيقة، بسنتين.
ويتعلق الأمر بقرار اعتمدته المفوضية الأوروبية في 29 يوليوز 2026 ونُشر رسمياً في 4 غشت من السنة نفسها، يخصص 112 مليون يورو لبرنامج دعم «المرونة الاقتصادية والاجتماعية» بالمغرب.
وتتوزع المساهمة الأوروبية بين 80 مليون يورو في إطار الدعم الميزانياتي و32 مليون يورو للدعم التكميلي، ولا يتعلق الأمر بقرض جديد سيتعين على المغرب سداده، بل بتمويل من ميزانية الاتحاد الأوروبي يراد منه دعم الدولة الاجتماعية، وتعزيز استدامة المالية العمومية، وتحسين الحكامة والشفافية والولوج إلى العدالة.
غير أن المفارقة تبدأ من داخل جدول التمويل نفسه، إذ جرى ربط 19 مليون يورو من مكون الدعم التكميلي بهدف يتعلق بتحسين تدبير وشفافية الحكامة والمالية العمومية، إلى جانب تعزيز إدماج قضايا المناخ والمساواة بين الجنسين في إدارة الميزانية.
وبذلك، فإن جزءاً مهماً من التمويل الأوروبي الجديد لا يذهب فقط إلى سياسات اجتماعية أو اقتصادية، بل إلى إصلاح الطريقة التي تُدار بها الميزانية والرقابة والشفافية نفسها.
داخل الوثيقة المؤطرة لهذا التمويل، تسجل المفوضية الأوروبية، بالاستناد خصوصاً إلى تقييم PEFA لسنة 2024، أن عدداً من نقاط الضعف الهيكلية ما يزال قائماً داخل منظومة المالية العمومية المغربية.
وتشير الوثيقة إلى أن حكامة القانون التنظيمي للمالية لا تزال تعمل بصورة جزئية، وأن التقارب بين السياسات العمومية لم يصل بعد إلى المستوى المطلوب، بينما يبقى التنسيق بين المؤسسات هشاً، وإدماج المؤسسات العمومية داخل الإطار الميزانياتي محدوداً.
كما تسجل أن تقييم أثر البرامج العمومية ما يزال ضعيفاً، وهو معطى يكتسي أهمية خاصة حين يتعلق الأمر بسياسات تستنزف اعتمادات عمومية كبيرة دون أن تكون آليات قياس نتائجها وأثرها بالمستوى نفسه من القوة.
ويبرز ملف المخاطر المالية باعتباره واحداً من أبرز جوانب التشخيص، إذ تقول الوثيقة إن المغرب لا يتوفر بعد على رؤية شمولية ومتكاملة لرصد وتدبير مختلف المخاطر الميزانياتية، بما يشمل أصول الدولة وخصومها والمخاطر المرتبطة بالقطاع العمومي.
كما تشير إلى أن ضمانات الدولة وبعض المخاطر المرتبطة بالمقاولات العمومية تحتاج إلى تقييم أكثر منهجية، بما يطرح سؤالاً حول مدى قدرة منظومة المالية العمومية على تكوين صورة شاملة ومحدثة عن الالتزامات والمخاطر التي قد تتحول مستقبلاً إلى أعباء على الميزانية.
وفي الجانب المعلوماتي، تعترف الوثيقة بوجود عدد من الأنظمة التي جرى تحديثها، لكنها تسجل في المقابل أن قابلية التشغيل البيني بينها لا تزال غير كافية، مع استمرار اختلاف بعض التعاريف والمؤشرات المستخدمة بين الإدارات.
وهذا يعني أن الإشكال لم يعد مرتبطاً فقط بوجود أنظمة معلومات، بل بقدرتها على التواصل فيما بينها وتوفير معطيات موحدة تسمح بالتتبع واتخاذ القرار على أساس صورة مالية متكاملة.
أما الملف المحاسبي، فيحمل واحداً من أكثر التشخيصات حساسية، إذ تصف الوثيقة الإصلاح المحاسبي بأنه لا يزال غير مكتمل، وتتحدث عن محدودية في الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع نشر مقيد لبعض التقارير ووجود حسابات غير مُصدَّق عليها لعدة سنوات، إلى جانب محدودية نشر حسابات الجماعات الترابية.
وتشير الوثيقة أيضاً إلى أن حسابات المؤسسات العمومية لا تزال غير مدمجة بصورة موحدة مع حسابات الدولة، وأن التحويلات المالية الموجهة إلى الجماعات الترابية لا تتسم دائماً بالوضوح الكافي الذي يسمح بتقييم أثرها بصورة دقيقة.
وهنا تتجاوز المسألة حدود التقنية المحاسبية، لأن استمرار وجود حسابات غير مُصدَّق عليها لسنوات، إلى جانب عدم اكتمال الدمج المحاسبي، يطرح سؤالاً حول جودة الصورة الإجمالية التي تتوفر عليها المؤسسات بشأن وضع المالية العمومية.
أما الرقابة الخارجية، التي تشمل البرلمان والمجلس الأعلى للحسابات، فتسجل الوثيقة بشأنها بدورها عدداً من نقاط الضعف، من بينها تأخر مزمن في بعض المساطر يصل إلى 18 شهراً بالنسبة لقوانين التصفية، إلى جانب محدودية تتبع تنفيذ التوصيات.
وهذا التأخر لا يعني غياب الرقابة، لكنه يطرح سؤالاً حول فعاليتها عندما تأتي بعد فترة طويلة من تنفيذ النفقات واتخاذ القرارات المالية، بما قد يضعف الأثر العملي للمحاسبة البعدية.
وتضيف الوثيقة أن التقارير الفصلية، رغم ما تتضمنه من تفاصيل، لا توفر دائماً تحليلات تفسيرية كافية للفوارق بين التوقعات والنتائج الفعلية، وهو ما يحد من قدرة المؤسسات والمتابعين على فهم أسباب الانحراف بين ما كان مبرمجاً وما تحقق فعلياً.
وعند الانتقال إلى معطيات «مسح الميزانية المفتوحة» لسنة 2025، تسجل الوثيقة أن المغرب حقق تقدماً في عدد من المؤشرات، إذ ارتفعت نتيجة الشفافية من 38 نقطة سنة 2015 إلى 51 نقطة سنة 2025، بينما بلغت المشاركة العمومية 24 نقطة والرقابة 51 نقطة.
وتعكس هذه الأرقام تحسناً مقارنة بالسنوات السابقة، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن عدداً من الحلقات الأساسية في سلسلة الشفافية المالية لا يزال يحتاج إلى معالجة.
فحسب المعطيات الواردة في الوثيقة، لا يزال تقرير نهاية السنة غير مُنتج، في حين يتأخر تقرير الافتحاص بسنتين، كما يبقى التصريح السابق للميزانية محدوداً فيما يتعلق بالتوقعات متعددة السنوات واستدامة الدين.
وتظهر مفارقة أخرى في محور المشاركة العمومية، إذ حصل المجلس الأعلى للحسابات على صفر من 100 في المؤشر المتعلق بإشراك الجمهور والمجتمع المدني في عملية الافتحاص.
غير أن الدقة تفرض التوضيح بأن هذا الصفر لا يعني أن المجلس الأعلى للحسابات حصل على صفر في جودة عمله أو في قدرته على افتحاص المال العام، وإنما يتعلق حصراً بمؤشر مشاركة الجمهور والمجتمع المدني في أعمال الافتحاص وتحديد الأولويات المرتبطة به.
ومع ذلك، فإن النتيجة تظل لافتة، لأنها تكشف محدودية واضحة في إشراك المواطن والمجتمع المدني في واحدة من أهم حلقات الرقابة على كيفية تدبير المال العام.
وفي مقابل هذه الملاحظات، لا تقدم المفوضية الأوروبية صورة سوداء بالكامل عن وضع المالية العمومية المغربية، إذ تسجل تقدماً في تحديث المحاسبة العمومية وتقوية المراقبة الداخلية وتحسين البرمجة الميزانياتية متوسطة المدى، كما تشير إلى تحسن عدد من مؤشرات تقييم PEFA.
وتعتبر الوثيقة أن استراتيجية إصلاح تدبير المالية العمومية ما تزال ذات صلة ومصداقية كافية، وأن شروط الاستفادة من الدعم الميزانياتي مستوفاة.
كما تشير إلى اعتماد وزارة الاقتصاد والمالية، في أبريل 2026، إطاراً استراتيجياً جديداً لإصلاح تدبير المالية العمومية يمتد إلى أفق 2032، بدعم من الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي والوكالة الفرنسية للتنمية والبنك الإفريقي للتنمية.
غير أن المفارقة تبقى قائمة، لأن وثيقة تمويل جديدة تعود، بعد سنوات من الإصلاحات والدعم الدولي والاستراتيجيات والبرامج، لتسجل مشاكل مرتبطة بالحسابات والافتحاص والمخاطر والرقابة وتقييم أثر البرامج العمومية.
وهنا تكمن القيمة السياسية الحقيقية للـ112 مليون يورو، فالقضية لا تتعلق بحجم التمويل فقط، بل بكون الجهة التي ستساهم في تمويل مرحلة جديدة من الإصلاح تضع داخل وثيقتها الرسمية خريطة واضحة لما لم يُنجز بعد.
حسابات غير مُصدَّق عليها منذ سنوات، إصلاح محاسبي غير مكتمل، مخاطر مرتبطة بضمانات الدولة والقطاع العمومي تحتاج إلى تقييم أكثر منهجية، رقابة خارجية تعاني التأخر، وتوصيات لا يُتابع تنفيذها بالقدر الكافي، إلى جانب تقرير نهاية سنة ما يزال غير منتج وتقرير افتحاص يتأخر بسنتين.
لذلك، فإن السؤال الذي تفتحه الوثيقة يتجاوز بكثير الإعلان عن دعم أوروبي جديد: هل ستتحول الـ112 مليون يورو إلى نتائج قابلة للقياس في شفافية الميزانية، وجودة الحسابات، وتقييم المخاطر، وربط المسؤولية بالمحاسبة؟
أم ستعود الوثائق الدولية المقبلة، بعد سنوات، لتسجل الملاحظات نفسها، بينما تستمر البرامج والتمويلات والاستراتيجيات في الدوران حول منظومة ما تزال تنتظر إغلاق بعض أكثر ملفاتها المحاسبية والرقابية حساسية؟
المصدر الرسمي: المفوضية الأوروبية، قرار التمويل الخاص بالمغرب لسنة 2026، المنشور في 4 غشت 2026.
