بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد الحملة الانتخابية لاقتراع 23 شتنبر مجرد منافسة بين برامج ووعود، بعدما تحول السجال بين حزب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار إلى تبادل لاتهامات ثقيلة تتعلق بالضغط والترهيب والترغيب، وتسريب معلومات مرتبطة بالدعم العمومي، و«الفراقشية»، وتضارب المصالح، واستغلال النفوذ والعمل الخيري، وصولاً إلى معاملات مالية بعشرات الملايين من الدراهم.
ومع ارتفاع منسوب هذه الاتهامات، يبرز سؤال أثقل من كل ما قيل حتى الآن: ماذا يقول القانون الانتخابي الجديد عن كل هذا؟
وهل المقتضيات الزجرية المشددة التي قُدمت للمغاربة باعتبارها سداً في وجه الأخبار الزائفة والتشهير والتأثير غير المشروع في الناخبين تسري فقط عندما يكون صاحب الكلام مواطناً عادياً خلف هاتفه، أم إنها تسري أيضاً عندما يكون المتحدث وزيراً أو رئيس حزب أو رئيس مجلس النواب أو قيادياً يخوض الانتخابات؟
النص القانوني، من حيث الصياغة، لا يمنح امتيازاً ظاهراً لأحد.
فالمادة 51 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب تعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة من 50 ألفاً إلى 100 ألف درهم على استعمال الأخبار الزائفة أو الإشاعات الكاذبة أو طرق التدليس بقصد تحويل أصوات الناخبين أو دفعهم إلى الامتناع عن التصويت.
أما المادة 51 المكررة، التي دخلت المنظومة الانتخابية الجديدة، فاستعملت عبارة أكثر إثارة للانتباه: «كل من».
فهي تعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة من 50 ألفاً إلى 100 ألف درهم «كل من» ينشر أو يذيع أو ينقل أو يبث خبراً زائفاً أو ادعاءات أو وقائع كاذبة أو مستندات مختلقة أو مدلساً فيها، بقصد المساس بالحياة الخاصة لأحد الناخبين أو المترشحين أو التشهير بهم، كما تعاقب صناعة مضمون كاذب أو مزيف بقصد المساس بنزاهة وصدق العمليات الانتخابية.
ولا يعني ذلك أن كل خلاف سياسي أو تصريح قاس يتحول تلقائياً إلى جريمة، لأن تطبيق هذه المقتضيات يفترض تحقق الشروط التي وضعها المشرع، من طبيعة الادعاء وثبوت كذبه أو تدليسه إلى القصد المرتبط به، وهي أمور يعود تقديرها في النهاية إلى القضاء.
لكن المفارقة تبدأ عندما نضع هذه النصوص إلى جانب ما قيل بالفعل خلال الأسابيع الأخيرة.
فمنذ 25 غشت، اتهم التجمع الوطني للأحرار حزب الأصالة والمعاصرة بممارسة «الاستمالة والضغط» على برلمانييه ومنتخبيه ومسؤوليه الترابيين، وقال إن الأمر تجاوز الانتقالات السياسية العادية إلى ممارسات تمس أخلاقيات التنافس الديمقراطي، ملوحاً بسلوك المساطر القانونية.
ثم ظهر تسجيل منسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، القيادي في الأحرار ورئيس مجلس النواب، تضمن اتهامات لفوزي لقجع باستعمال أساليب «الترهيب والترغيب» والوعود لاستقطاب منتخبين نحو الأصالة والمعاصرة.
ورد «البام» بنفي هذه الاتهامات، وأعاد الكرة إلى ملعب الأحرار، مذكراً بأن التجمع نفسه استقطب خلال انتخابات 2021 عدداً من البرلمانيين القادمين من أحزاب أخرى، بينهم منتخبون سابقون باسم الأصالة والمعاصرة.
ولم تتوقف المواجهة عند انتقالات المنتخبين.
فوزي لقجع نقل السجال إلى ملف الأغنام، متحدثاً عمن حولوا عيد الأضحى إلى معاناة للأسر، ومستعملاً تعبير «الإرهابيين الحقيقيين» في سياق هجومه على المضاربين و«الفراقشية».
ورد محمد أوجار، القيادي في الأحرار، بدعوة لقجع إلى النظر في الأشخاص المحيطين به لمعرفة أين يوجد «الفراقشية».
ثم رفعت فاطمة الزهراء المنصوري السقف أكثر عندما تحدثت عن حصول أشخاص على معلومات مسبقة بشأن دعم استيراد الأغنام، بما سمح لهم، وفق روايتها، باقتناء المواشي قبل الإعلان عن الدعم، وربطت تدبير الملف بقطاع الفلاحة الذي كان يشرف عليه التجمع الوطني للأحرار.
وهنا لم يعد الأمر مجرد اختلاف في تقييم سياسة حكومية.
فإذا ثبت أن معلومات مرتبطة بدعم عمومي وصلت مسبقاً إلى مستفيدين بعينهم، فإن السؤال ينتقل إلى شفافية تدبير المال العام وتكافؤ الفرص ومدى استفادة أطراف من معلومات لم تكن متاحة للعموم.
أما إذا لم تثبت هذه الوقائع، فإن السؤال يعود إلى طبيعة الادعاء نفسه، خصوصاً عندما يصدر وسط معركة انتخابية ويوجه إلى خصم سياسي أمام جمهور واسع من الناخبين.
وفي السياق نفسه، اتهم لقجع الحكومة بصرف 280 مليار درهم خلال الولاية لحماية القدرة الشرائية «بدون فائدة»، في حكم سياسي قاس صدر عن وزير شارك في الحكومة نفسها التي ينتقد حصيلتها.
ثم انتقل السجال إلى مديونة، حيث تقدم مرشح عن الأصالة والمعاصرة بطعن لدى السلطات يتهم فيه مرشحاً عن التجمع الوطني للأحرار باستغلال العمل الخيري وتوزيع مساعدات لأغراض انتخابية.
وهذا الاتهام بدوره يفتح سؤالاً قانونياً، لكن مع ضرورة الانتباه إلى القيد الزمني الذي وضعه المشرع.
فالمادة 62 تعاقب من يحصل أو يحاول الحصول على أصوات الناخبين بواسطة هدايا أو تبرعات نقدية أو عينية أو وعود أو منافع أخرى بقصد التأثير في التصويت، غير أن المشرع ربط ذلك بالفترة الممتدة من تاريخ نشر المرسوم المحدد لتاريخ الاقتراع إلى غاية الإعلان عن النتائج.
لذلك، فإن تحديد التاريخ الدقيق للمساعدات موضوع الطعن، والظروف التي وُزعت فيها، يصبح ضرورياً قبل الجزم بانطباق هذه المادة على الواقعة.
ثم جاءت أحدث الاتهامات من هشام المهاجري، القيادي في الأصالة والمعاصرة، الذي اتهم محمد شوكي، رئيس التجمع الوطني للأحرار، بأنه «أكبر مستفيد من تضارب المصالح».
وقدم المهاجري رواية تتعلق بمرسوم لتوسيع إمكانيات تمويل الجماعات الترابية، وشركة قال إنها مرتبطة بشوكي، وتمويل بقيمة 50 مليون درهم لجماعة أكادير التي يرأسها عزيز أخنوش، مع حديث عن فارق بين سعر فائدة قدره 3.5 في المائة وآخر يبلغ 5 في المائة.
وهذه اتهامات مالية ثقيلة.
لكن، إلى حدود المعطيات المنشورة، لم يقدم المهاجري في المقاطع المتاحة وثيقة تثبت هوية الشركة المعنية أو عقد التمويل أو الشروط المالية الدقيقة للعملية، وهو ما يجعل كلامه، إلى أن تظهر أدلة مستقلة، اتهاماً سياسياً لا واقعة مثبتة.
وهنا يعود السؤال من جديد.
المادة 51 لم تقل إن أحكامها موجهة إلى المواطن العادي فقط.
والمادة 51 المكررة لم تقل إن «كل من» تعني صاحب حساب صغير على فيسبوك فقط.
النص استعمل عبارات عامة.
وهذا يعني أن الصياغة القانونية، في ذاتها، لا تمنح حصانة خاصة لوزير أو رئيس حزب أو قيادي سياسي، وإن كان تطبيق العقوبة يظل رهيناً بثبوت عناصر الجريمة وشروطها أمام القضاء.
لكن هذا الشرط نفسه يضع الأحزاب أمام امتحان واضح.
إذا كان الأحرار يقولون إن منتخبين تعرضوا للضغط والترهيب والترغيب، فأين الوقائع والأسماء والأدلة؟
وإذا كانت المنصوري تقول إن معلومات دعم الأغنام وصلت مسبقاً إلى مستفيدين بعينهم، فمن حصل عليها؟ ومن سربها؟ ومتى؟ ومن استفاد؟
وإذا كان المهاجري يقول إن شركة مرتبطة برئيس الأحرار استفادت من عملية تمويل لجماعة أكادير وربحت من فارق الفائدة، فأين العقد؟ وأين اسم الشركة؟ وأين مسار الخمسين مليون درهم؟
وإذا كان سياسيون يتقاذفون كلمة «الفراقشية»، فمن المقصود؟ وما الوقائع التي تثبت ما يقال؟
هذه ليست أسئلة صحافة صفراء.
إنها أسئلة يفرضها قانون اختار المشرع نفسه أن يجعل بعض الأخبار والادعاءات الكاذبة والتدليس المرتبط بالانتخابات أفعالاً قد تصل عقوبتها إلى خمس سنوات حبسا.
ولهذا، لم يعد السؤال في انتخابات 23 شتنبر فقط: من يتهم من؟
السؤال أصبح: من يملك الدليل؟
إذا كانت الاتهامات صحيحة، فأين الوثائق والتحقيقات وترتيب المسؤوليات؟
وإذا ثبت أن بعضها مختلق أو كاذب واستُعمل للتشهير بالمترشحين أو للتأثير غير المشروع في إرادة الناخبين، فهل ستتحرك المقتضيات الزجرية الجديدة بالحزم نفسه؟
وهل ستبقى عبارة «كل شخص» و«كل من» مخيفة فقط عندما يكون صاحب الكلام مواطناً عادياً يحمل هاتفاً؟
أم سنراها تُقرأ بالحرف نفسه عندما يكون صاحب الكلام وزيراً أو رئيس حزب أو قيادياً يخوض معركة انتخابية أمام ملايين المغاربة؟
المشرع لم يكتب: كل مواطن إلا السياسيين.
كتب ببساطة:
«كل من».
