بقلم: الباز عبدالإله
بعد ثلاث عمليات تمويل متتالية بلغت قيمتها الإجمالية 1.4 مليار دولار، أي ما يعادل اليوم نحو 1327 مليار سنتيم، اختتم البنك الدولي تقييم سلسلة الإصلاحات الخاصة بالشمول المالي والرقمي في المغرب بنتيجة لم تصل إلى درجة «مرضٍ» بالكامل، إذ صنف الحصيلة العامة للسلسلة في خانة «Moderately Satisfactory»، أي «مرضية بدرجة متوسطة».
المعطى يرد في تقرير رسمي للبنك الدولي يحمل الرقم «ICR00403»، مؤرخ في 30 أبريل 2026، وكُشف عنه للعموم في 22 ماي من السنة نفسها، ويحمل عنوان «Morocco – Third Financial and Digital Inclusion Development Policy Lending».
ويتعلق الأمر بتقرير الإغلاق والتقييم النهائي للعمليات الثلاث التي دعم من خلالها البنك إصلاحات مغربية مرتبطة بالشمول المالي والرقمنة وتمويل المقاولات والبنية التحتية الرقمية والخدمات المالية.
ولا يتعلق الأمر ببرنامج صغير أو بتمويل منفرد.
ففي 22 يونيو 2020، وافق البنك الدولي على أول تمويل بقيمة 500 مليون دولار لدعم الإصلاحات الخاصة بالشمول المالي والتحول الرقمي، في عملية قدمها البنك باعتبارها الأولى ضمن سلسلة من ثلاث عمليات.
وكان الهدف المعلن هو تحسين ولوج الأفراد والمقاولات إلى الخدمات المالية والبنية الرقمية، ودعم المقاولات الناشئة، وتوسيع استعمال الخدمات الإلكترونية.
وفي 17 يونيو 2021، جاءت العملية الثانية بقرض جديد قيمته 450 مليون دولار، لاستكمال الإصلاحات نفسها، خصوصاً في مجالات التمويل الرقمي والتمويل الأصغر والتأمين والهوية الرقمية والأداءات غير النقدية ودعم الفئات الهشة والمقاولات الصغيرة والمتوسطة.
ثم وافق مجلس إدارة البنك الدولي، في 31 مارس 2023، على التمويل الثالث بقيمة 450 مليون دولار، لترتفع بذلك القيمة الإجمالية لهذه السلسلة الثلاثية وحدها إلى 1.4 مليار دولار.
وهنا يكتسي هذا التحديد أهمية خاصة.
فالرقم لا يمثل مجموع كل ما موّله البنك الدولي سابقاً في مجال الشمول المالي والاقتصاد الرقمي بالمغرب، إذ سبقت هذه السلسلة عملية أخرى مستقلة بقيمة 700 مليون دولار تمت الموافقة عليها سنة 2019، وإنما يتعلق تحديداً بالعمليات الثلاث المتتالية المنجزة بين 2020 و2023.
ومن المهم أيضاً توضيح طبيعة هذه الأموال.
فالـ1.4 مليار دولار لم تكن ميزانية مشروع واحد لبناء تجهيزات أو شراء معدات يمكن قياس كل دولار فيها بمنشأة مادية محددة، بل جاءت في إطار ما يسمى «تمويل سياسات التنمية» أو Development Policy Financing، وهي آلية يقدم من خلالها البنك الدولي دعماً مالياً مقابل تنفيذ حزمة من الإصلاحات والإجراءات والسياسات المتفق عليها مع الحكومة.
وبالتالي فإن السؤال الحقيقي في تقييم هذه السلسلة ليس: أين صُرف كل دولار؟
بل: إلى أي حد حققت الإصلاحات التي دُعمت بهذه التمويلات النتائج والأهداف التي وُضعت لها؟
وهنا تكتسب خلاصة تقرير الإغلاق أهميتها.
فالبنك الدولي لم يمنح الحصيلة الإجمالية تصنيف «Satisfactory» أو «Highly Satisfactory»، وإنما وضع «Overall Outcome» في خانة «Moderately Satisfactory».
ويعني ذلك أن السلسلة حصلت على تقييم إيجابي، لكنه ظل درجة واحدة دون «Satisfactory» في سلم تقييم البنك الدولي.
ولم يقتصر الأمر على النتيجة الإجمالية.
فتقرير «ICR00403» صنف أيضاً «Relevance of Prior Actions»، أي مدى ملاءمة الإجراءات الإصلاحية السابقة، في خانة «Moderately Satisfactory».
كما منح التقييم نفسه لفعالية تحقيق الأهداف «Achievement of Objectives – Efficacy»، ولأداء البنك الدولي «Bank Performance».
بمعنى أن البنك، بعد إغلاق السلسلة كاملة، خلص إلى نتيجة إيجابية جزئياً، لكنها ظلت دون مستوى الرضا الكامل.
وهذا التفصيل مهم، لأن قراءة التقرير لا تسمح بوصف البرنامج بأنه «فشل»، كما لا تسمح في المقابل بتقديمه باعتباره نجاحاً كاملاً من دون تحفظات.
والبنك الدولي نفسه سبق أن سجل نتائج إيجابية خلال تنفيذ السلسلة.
ففي أبريل 2023، عند الإعلان عن العملية الثالثة، قال إن نسبة المغاربة الذين يتوفرون على حساب ارتفعت من 29 في المائة سنة 2017 إلى 44 في المائة، بينما انتقلت نسبة استخدام الأداءات الرقمية من 17 إلى 30 في المائة.
كما أشار إلى وصول شبكات الأداء عبر الهاتف المحمول إلى 31 في المائة من المناطق القروية التي كان يقيسها، وإلى وجود 19 مزوداً لخدمات الأداء عبر الهاتف، فضلاً عن وصول قيمة الأداءات الرقمية إلى ملياري درهم سنة 2021.
وهي أرقام تعكس تقدماً فعلياً لا يمكن تجاهله.
لكن البنك كان يعترف في الوقت نفسه باستمرار تحديات كبيرة، وعلى رأسها فجوة بين النساء والرجال في الولوج إلى الخدمات المالية تصل إلى 25 نقطة مئوية، والحاجة إلى توسيع استعمال وقبول وسائل الأداء الرقمية لدى التجار.
كما أشار إلى أن عدد المستفيدين من التمويل الأصغر ظل أقل بكثير من أهداف الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي، التي كانت تستهدف 1.8 مليون مستفيد في 2023 وثلاثة ملايين في أفق 2030.
وهنا تظهر المفارقة التي تجعل تقرير الإغلاق الصادر سنة 2026 جديراً بالنقاش.
فبعد 1.4 مليار دولار من التمويلات المرافقة لحزمة واسعة من الإصلاحات، وبعد سنوات من الحديث عن الهوية الرقمية والأداء الإلكتروني والتمويل الأصغر والتأمين والولوج إلى الخدمات المالية، انتهى التقييم الرسمي إلى «مرضٍ بدرجة متوسطة»، بدل «مرضٍ» بالكامل.
وتصبح المفارقة أكثر وضوحاً عند وضع التقرير إلى جانب وثيقتين حديثتين للصندوق الدولي للتنمية الزراعية «IFAD/FIDA»، أُعدتا في غشت 2026 وأُدرجتا ضمن الوثائق المعروضة على مجلس إدارة الصندوق في دورته الـ148 المقررة يوم 15 شتنبر 2026.
فالوثيقتان، المتعلقتان بمشروعين جديدين يخصان تحويلات مغاربة العالم، تعيدان تسجيل استمرار الاعتماد على النقد لدى جزء من المستفيدين، ومحدودية الانتقال التلقائي من تسلم التحويلات إلى استعمال الحسابات والمحافظ الرقمية والادخار والخدمات المالية الرسمية.
وتأتي هذه الملاحظات في بلد بلغت فيه تحويلات مغاربة العالم خلال سنة 2025، بحسب وثائق الصندوق، نحو 13 مليار دولار، أي ما يقارب 8 في المائة من الناتج الداخلي الخام.
بل إن المؤسسة الدولية تقترح دعم تجارب جديدة مع شركتي «Cash Plus» و«Damane Cash» من أجل إدخال عشرات الآلاف من المستفيدين إلى المحافظ والحسابات الرقمية، وربط جزء منهم مستقبلاً بمنتجات الادخار والقروض والتأمين.
ولا يعني ذلك أن التمويلات السابقة للبنك الدولي ذهبت سدى، كما لا تشكل مشاريع IFAD الجديدة دليلاً مباشراً على فشل الحكومة أو على فشل سلسلة البنك الدولي.
لكنها تكشف استمرار مسافة واضحة بين الإصلاح القانوني والمؤسساتي من جهة، والاستعمال الفعلي للخدمات المالية من طرف المواطن من جهة أخرى.
فإقرار قانون للتمويل الأصغر شيء، وتحويل ملايين المواطنين إلى مستعملين فعليين للخدمات المالية شيء آخر.
وتوفير المحافظ الرقمية شيء، وإقناع المواطن والتاجر بالتخلي عن «الكاش» واستعمالها بصورة يومية شيء آخر.
وتوسيع شبكة الأداء شيء، وتقليص الفجوة بين المدن والقرى وبين الرجال والنساء في الولوج والاستعمال شيء آخر.
وهذه المسافة هي التي يبدو أن التقييم النهائي للبنك الدولي يلتقط جزءاً منها حين يمنح السلسلة نتيجة «Moderately Satisfactory».
كما تعيد النتيجة طرح سؤال مردودية القروض المرتبطة بالإصلاحات.
فحين تحصل دولة على ثلاثة تمويلات متتالية بقيمة 500 مليون ثم 450 مليوناً ثم 450 مليون دولار لدعم مسار إصلاحي واحد، يصبح من الطبيعي أن يخضع النقاش العمومي ليس فقط لحجم التمويل الذي جرى تعبئته، وإنما أيضاً لحجم النتائج التي تحققت في النهاية.
والمفارقة أن البنك الدولي نفسه كان واضحاً منذ إطلاق العملية الأولى سنة 2020 بشأن الرهانات الكبرى للسلسلة: توسيع الشمول المالي، وتحسين وصول الفئات الهشة والنساء والشباب وسكان القرى إلى الخدمات المالية، ودعم المقاولات الصغيرة، وتطوير البنية التحتية الرقمية والأداءات الإلكترونية.
وبعد نحو ست سنوات من إطلاق العملية الأولى، لا يقول التقرير النهائي إن المغرب لم يحقق تقدماً.
لكنه لا يمنحه أيضاً درجة «مرضٍ» بالكامل.
بل يغلق سلسلة بقيمة 1.4 مليار دولار بنتيجة «مرضية بدرجة متوسطة».
وهو ما يجعل الرقم المالي والتقييم النهائي قابلين للقراءة جنباً إلى جنب: 1.4 مليار دولار في ثلاث عمليات، وإصلاحات متعددة، وتقدم في عدد من المؤشرات، لكن حصيلة نهائية ظل البنك الدولي نفسه متحفظاً في رفعها إلى مستوى «Satisfactory».
وفي النهاية، لا ينبغي أن يقاس نجاح الشمول المالي والرقمي بعدد القوانين أو القروض أو الحسابات التي فُتحت فقط، بل بمدى استعمال المواطنين لهذه الحسابات، ووصول التمويل إلى المقاولات الصغيرة، وانتشار الأداء الرقمي خارج المدن الكبرى، وتقليص الفجوة بين النساء والرجال، وتحول الرقمنة من سياسة معلنة إلى ممارسة اقتصادية يومية.
وهنا يفرض تقرير البنك الدولي سؤالاً مباشراً على حصيلة الإصلاحات: إذا كانت سلسلة الدعم بين 2020 و2023 بلغت 1.4 مليار دولار، وانتهت بتقييم «مرضٍ بدرجة متوسطة»، فأين تحديداً توقفت النتائج قبل الوصول إلى درجة «مرضٍ» بالكامل، وما الذي ما يزال يحتاج إلى إصلاح وتمويل جديد؟
