بقلم: الباز عبدالإله
قبل أسبوع واحد من فتح صناديق الاقتراع، تبدو الأحزاب المغربية غارقة في حسابات المقاعد والتحالفات والكراسي الوزارية، بينما كانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تطلق من قلب البرلمان الأوروبي موقفاً بالغ الوضوح: «حدود سبتة حدود أوروبية»، قبل أن تضيف أن «سبتة إسبانيا» و«سبتة أوروبا».
فون دير لاين لم تتحدث في تجمع حزبي ولا خلال مقابلة عابرة، بل من منصة البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، ضمن خطاب حالة الاتحاد، مخاطبة الإسبان مباشرة ومؤكدة أن أوروبا ستكون إلى جانبهم.
التصريح لا يمثل اعترافاً قانونياً جديداً صنعته خرجة إعلامية مغربية، ولا توجد معطيات تسمح بربطه سببياً بتصريحات مسؤول مغربي بعينه، لأن الاتحاد الأوروبي يتعامل أصلاً مع سبتة باعتبار حدودها جزءاً من حدوده الخارجية.
لكن قوة اللحظة السياسية تكمن في مستوى التصريح وصيغته المباشرة، وفي توقيته بعد أزمة العبور الجماعي التي أعادت المدينة إلى صدارة النقاش الأوروبي حول الهجرة وحماية الحدود.
وجاء ذلك أيضاً بعد تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي بشأن «الحقوق التاريخية والجغرافية» للمغرب، ودعوته إلى فتح حوار بشأن سبتة ومليلية وإعادتهما إلى الوطن.
غير أن المعطى الأكثر إحراجاً في هذه القضية لم يأت هذه المرة من وهبي نفسه، بل كشف عنه وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، حين قال إن نظيره المغربي ناصر بوريطة أوضح له أن تصريحات وزراء مغاربة بشأن سبتة ومليلية جاءت في «سياق انتخابي»، وأن أصحابها تحدثوا بصفتهم ممثلين لأحزاب سياسية وليس في إطار مسؤولياتهم الحكومية، ولذلك فإنها لا تعكس الموقف الرسمي للمغرب.
هنا تصبح القضية أكبر من مجرد «خرجة» سياسية غير محسوبة.
كيف يمكن لوزير في الحكومة أن يفتح ملفاً سيادياً بالغ الحساسية، ثم تضطر الدبلوماسية إلى توضيح أن كلامه صدر في سياق انتخابي وبصفته الحزبية؟ وهل السيادة الوطنية موضوع يُرفع أمام الناخبين لحصد الأصوات، ثم تُنزع عن التصريحات المتعلقة به الصفة الحكومية عندما تنتقل أصداؤها إلى الخارج؟
المفارقة أن المغاربة لم يتلقوا هذا التوضيح عبر بلاغ رسمي صادر عن حكومتهم أو وزارة خارجيتهم، بل عرفوا مضمونه من وزير الخارجية الإسباني.
وهكذا سمع الداخل كلاماً عن إعادة سبتة ومليلية إلى الوطن، بينما نقلت مدريد عن بوريطة أن هذه التصريحات لا تمثل الموقف الرسمي للدولة، وإنما صدرت في سياق انتخابي وبصفات حزبية.
إسبانيا، من جهتها، لم تعتبر السياق الانتخابي مبرراً كافياً. ألباريس وصف تلك التصريحات بأنها «غير مقبولة» ومضرة بالعلاقات الثنائية، سواء ارتبطت بالحملة الانتخابية أم لا، مع إعادة تأكيد الموقف الإسباني بشأن سيادتها على المدينتين.
ولا يوجد دليل يسمح بالقول إن تصريحات وهبي هي التي صنعت موقف فون دير لاين أو دفعت رئيسة المفوضية الأوروبية إلى إعلان أن حدود سبتة حدود أوروبية.
أزمة الهجرة الجماعية وحماية الحدود الخارجية للاتحاد كانتا الخلفية المباشرة للخطاب الأوروبي، وهو ما ظهر بوضوح في حديث فون دير لاين عن ضرورة تطوير أدوات الاتحاد لمواجهة الأزمات الاستثنائية وتدفقات الهجرة التي قد يجري تنظيمها أو استخدامها سياسياً.
لكن تصريحات وهبي تحولت عملياً إلى مادة سياسية جديدة حضرت في الرد الإسباني، وكشفت في الوقت نفسه ارتباكاً يستحق المساءلة بين ما يقوله أعضاء في الحكومة أمام الناخبين وما توضحه الدبلوماسية المغربية لنظيرتها الإسبانية.
حزب وهبي مطالب بتفسير كيف دخل ملف سيادي بهذه الحساسية إلى قلب الخطاب الانتخابي.
وأحزاب الأغلبية تواجه بدورها سؤالاً حول غياب موقف حكومي معلن يضع للمغاربة الحد الفاصل بين المواقف الرسمية للدولة والشعارات أو المواقف التي يطلقها الوزراء بصفتهم الحزبية.
أما المعارضة، فدورها لا ينبغي أن يختزل في مراقبة المشهد وانتظار ما ستمنحه الصناديق من مقاعد، لأن القضية تتجاوز المنافسة بين الأحزاب إلى سؤال يتعلق بطريقة تدبير ملف سيادي شديد الحساسية وبصورة الخطاب المغربي أمام الخارج.
السيادة ليست لافتة تُرفع في مهرجان حزبي، ولا بنداً في مزاد انتخابي، ولا وسيلة لتحريك العواطف كلما اقترب موعد صناديق الاقتراع.
والوزير، حتى عندما يتحدث بصفته الحزبية، يبقى كلامه قابلاً لأن يُقرأ خارج الحدود من زاوية موقعه داخل الحكومة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات السيادة والعلاقات مع دول أخرى.
وبينما تتصارع الأحزاب المغربية على ترتيب المرشحين وتوزيع الدوائر وحساب عدد المقاعد والكراسي الوزارية المقبلة، كانت رئيسة المفوضية الأوروبية تعيد تأكيد الموقف الأوروبي من سبتة بأوضح صيغة سياسية: «سبتة إسبانيا، سبتة أوروبا»، وتعلن أن حدود المدينة حدود أوروبية.
لقد أنست الكراسي كثيراً من السياسيين أن الوطنية ليست موسماً انتخابياً.
ومن حق المغاربة اليوم أن يسألوا: ما الموقف الرسمي للدولة من سبتة ومليلية؟ هل كلام وهبي يعبر عن موقف حكومي أم موقف حزبي انتخابي؟ وأين يبدأ الوزير وأين ينتهي القيادي الحزبي عندما يتعلق الكلام بقضية سيادية؟ ولماذا عرف المواطن المغربي تفسير موقف بوريطة عبر وزير الخارجية الإسباني بدل أن يسمعه مباشرة من حكومته؟
حين تصبح السيادة خطاباً انتخابياً في الداخل وتوضيحاً دبلوماسياً في الخارج، يصبح السؤال أكبر من تصريح وهبي ومن رد مدريد.
إنه سؤال عن مسؤولية الأحزاب التي تسعى إلى تدبير الشأن العام، وعن قدرة الحكومة على توحيد خطابها في الملفات الوطنية الكبرى، وعن الثمن السياسي الذي يمكن أن يدفعه بلد عندما تختلط حدود الموقف الرسمي بحسابات موسم انتخابي.
