قبل أقل من أسبوع على الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، وجّه عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، اعتراضاً سياسياً مباشراً على أحد أبرز المواقف الداعية إلى مقاطعة صناديق الاقتراع، مخاطباً هذه المرة جماعة العدل والإحسان، التي أعلنت رسمياً عدم المشاركة في الانتخابات ودعت المواطنين بدورهم إلى مقاطعتها.
ابن كيران، الذي كان يتحدث خلال مهرجان خطابي لحزبه بمدينة تازة، لم يضع الجماعة في خانة خصومه، بل حرص بداية على التعبير عن احترامه لها ولقياداتها، قبل أن ينتقل إلى الاعتراض على جوهر موقفها الانتخابي.
وقال الأمين العام للعدالة والتنمية، وهو يتحدث عن الدعوات إلى عدم التصويت: «ناس محترمين محترمين وتيقولوا للناس ما تمشيوش تصوتوا لا فائدة، ومنهم الإخوان ديالنا ديال جماعة العدل والإحسان، وحنا كنحترموهم وتنعزوهم وتنترحموا على الشيخ ديالهم سي عبد السلام ياسين رحمه الله».
لكن الاحترام الذي أعلنه ابن كيران لم يمنعه من طرح سؤال سياسي مباشر على الجماعة بشأن النتيجة العملية لخيار المقاطعة: «ولكن قولوا لي شنو هي الفائدة إلا ما شاركتيش في الانتخابات وإلا ما صوتتيش؟».
ثم قدم جوابه بنفسه، معتبراً أن الامتناع عن المشاركة لا يترك الساحة فارغة، وإنما يمنح، وفق قراءته، أفضلية للفاعلين الذين يعتمدون شراء الأصوات، قائلاً إن عدم المشاركة «كتفتح المجال للناس اللي كيشريوا الأصوات باش يهزموا الناس اللي عندهم المبادئ والقيم».
الرسالة التي وجهها ابن كيران من تازة ليست معزولة عن خط انتخابي بدأ يوجهه صراحة إلى العدل والإحسان خلال الأيام الأخيرة.
ففي 13 شتنبر، وخلال مهرجان انتخابي بمدينة تطوان، دعا الجماعة إلى مراجعة موقفها من المشاركة السياسية والانتخابية، معتبراً أن عدم المشاركة يخدم، وفق توصيفه، «خصوم الإصلاح».
غير أن النقاش يصبح أكثر دلالة عند وضع كلام ابن كيران أمام البيان الرسمي الذي أصدرته الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في 9 شتنبر الجاري.
الجماعة لم تعلن فقط أن أعضاءها لن يشاركوا في اقتراع 23 شتنبر، بل دعت المواطنين صراحة إلى المقاطعة، مستندة إلى قراءة سياسية مختلفة جذرياً عن تلك التي يدافع عنها ابن كيران.
فبحسب بيانها الرسمي، تعتبر العدل والإحسان أن الانتخابات «في صيغتها الحالية» لم تستطع، خلال العقود الماضية، نقل المغرب إلى ما تصفه بأفق «الديمقراطية والحرية والعدل»، وأن جوهر المشكلة لا يوجد فقط في كيفية إجراء الانتخابات، بل في طبيعة المنظومة السياسية التي تجري داخلها.
وتقول الجماعة إن المؤسسات المنتخبة، وفق تقييمها، لا تمتلك «القرار السياسي الفعلي»، وإن الانتخابات لا تؤدي إلى «تداول حقيقي على السلطة»، كما تربط موقفها بما تصفه بالتضييق على الحريات وغياب شروط المنافسة السياسية الحرة والعادلة.
وهي مواقف سياسية صادرة عن الجماعة وليست توصيفاً مستقلاً لواقع العملية الانتخابية.
ومن هنا يظهر جوهر الخلاف بين الطرفين.
العدل والإحسان تقول، عملياً، إن المشكلة أعمق من سؤال اختيار الحزب الذي سيدبر الحكومة، ولذلك تعتبر عدم المشاركة موقفاً سياسياً وليس انسحاباً من الشأن العام.
أما ابن كيران فيقدم حجة مضادة: حتى إذا كان لدى المقاطعين اعتراض على شروط العملية السياسية، فإن ترك الصناديق، بحسب منطقه، يسمح لمن يعتمدون المال وشراء الأصوات بأن يصبح تأثيرهم أكبر.
الجماعة شددت بالفعل في بيانها على أن قرارها «ليس انسحاباً من الشأن العام»، وقدمت المقاطعة باعتبارها رفضاً لانتخابات ترى أنها لا تمكن المواطنين من امتلاك قرارهم السياسي، واختياراً لمواصلة النضال السياسي خارج المؤسسات الانتخابية بالشكل القائم.
محمد حمداوي، عضو مجلس إرشاد الجماعة ونائب رئيس دائرتها السياسية، ذهب أبعد في شرح هذا التصور، مؤكداً أن المقاطعة ليست موقفاً عابراً مرتبطاً فقط بانتخابات 2026، وإنما ناتجة عن قراءة الجماعة لطبيعة المنظومة السياسية. ويرى حمداوي أن الانتخابات تكتسب معناها الديمقراطي عندما يكون لصوت المواطن، بحسب تصور الجماعة، أثر فعلي في اختيار السلطة ومحاسبتها وتغييرها.
هنا تحديداً يطرح ابن كيران حجة مختلفة بشأن الأثر العملي للمقاطعة على صناديق الاقتراع.
فالأمين العام للعدالة والتنمية لم يكتف بالحديث عن المشاركة كمبدأ، وإنما ربطها مباشرة بما وصفه بظاهرة شراء الأصوات، محذراً الناخبين من تلقي المال مقابل التصويت، ومعتبراً أن بيع الصوت يعني، في النهاية، منح المنتخب سلطة التأثير في الميزانيات والصفقات والاختيارات العمومية طوال الولاية.
وهكذا يجد الناخب، قبل أيام قليلة من 23 شتنبر، نفسه أمام مقاربتين متعارضتين داخل جزء من المشهد الإسلامي المغربي نفسه: جماعة تقول إن مقاطعة الصندوق احتجاج على قواعد اللعبة السياسية وشروطها، وحزب يقوده رئيس حكومة سابق يقول إن ترك الصندوق لا يغير تلك القواعد، بل قد يوسع عملياً وزن الأصوات التي يستطيع المال الانتخابي التأثير فيها.
المفارقة أن ابن كيران لم يختر لغة القطيعة مع الجماعة رغم اختلافه الجذري معها في هذه النقطة.
حافظ على وصف أعضائها بـ«الإخوان»، وأكد احترامه لهم، وترحم علناً على مؤسس الجماعة عبد السلام ياسين، لكنه عاد إلى السؤال الذي طرحه بنفسه: «شنو هي الفائدة إلا ما شاركتيش في الانتخابات وإلا ما صوتتيش؟»، قبل أن يقدم جوابه بأن ذلك، وفق تقديره، يفتح المجال أمام مشتري الأصوات لهزيمة «الناس اللي عندهم المبادئ والقيم».
أما العدل والإحسان فقد حسمت جوابها قبل ذلك بأيام: المشاركة في انتخابات لا ترى أنها تفضي إلى تداول حقيقي على السلطة ليست، من وجهة نظرها، طريقاً للإصلاح أصلاً.
وبين جواب الجماعة واعتراض ابن كيران، يتحول النقاش من مجرد خلاف حول التصويت يوم 23 شتنبر إلى سؤال سياسي أكبر: هل تكون مواجهة الاختلالات التي ينتقدها الطرفان بالدخول إلى المؤسسات ومحاولة تغيير موازينها من الداخل، أم برفض المشاركة في انتخابات ترى الجماعة أن شروطها السياسية لا تسمح بالتغيير الذي تنشده؟
الصندوق، بعد أيام، سيكون حاضراً. لكن الخلاف بين ابن كيران والعدل والإحسان يتعلق بما هو أعمق: هل المشاركة فيه جزء من الحل أم جزء من المشكلة؟
