بقلم: الباز عبدالإله
كشفت وثيقة رسمية جديدة للبرلمان الإسباني حجم المقترحات التي وصلت إلى المؤسسة التشريعية في مدريد لإعادة رسم العلاقة مع المغرب على خلفية أزمة سبتة، إذ امتدت من استدعاء السفراء ومراجعة التعاون الثنائي إلى سحب السفير الإسباني وطرد السفير المغربي، وصولاً إلى المطالبة بتعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون بين البلدين.
غير أن الوثيقة نفسها تحمل معطى أساسياً يمنع قراءة هذه المطالب باعتبارها تحولاً رسمياً في السياسة الإسبانية تجاه الرباط: المقترحات الأكثر تصعيداً لم تحصل على موافقة البرلمان.
وتكشف النشرة الرسمية لمجلس النواب الإسباني، العدد D-585 الصادر في 17 شتنبر 2026، تفاصيل تعديل تقدم به حزب «فوكس» على مبادرة للحزب الشعبي بشأن أزمة سبتة، وتوضح إلى أي مستوى وصلت الإجراءات المقترحة تجاه المغرب داخل المؤسسة التشريعية.
ومن بين أولى الخطوات التي تضمنها تعديل «فوكس» استدعاء سفير المملكة المغربية في إسبانيا، بالتوازي مع استدعاء سفير إسبانيا لدى المغرب للتشاور.
لكن المقترح لم يتوقف عند هذا المستوى.
ففي حالة استمرار الظروف التي حددها أصحاب التعديل، طالب النص بالانتقال إلى خطوة أشد تتمثل في سحب السفير الإسباني من الرباط وطرد السفير المغربي من مدريد.
ويظهر بذلك أن «الطرد» لم يكن إجراءً أقره البرلمان الإسباني، وإنما جزءاً من مسار تصعيدي اقترحه «فوكس» وربطه بشروط محددة.
ثم انتقل النص إلى مستوى أكثر حساسية، من خلال المطالبة بالشروع فوراً في تعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون بين المملكة المغربية ومملكة إسبانيا.
والمعاهدة، الموقعة في الرباط في 4 يوليوز 1991، تشكل منذ عقود أحد الأطر السياسية والقانونية الأساسية المنظمة للعلاقات بين البلدين.
وبحسب النص المنشور في النشرة الرسمية للكونغرس، اقترح «فوكس» أن يستمر التعليق إلى حين صدور إعلان مغربي «علني وصريح ولا لبس فيه»، وفق مضمون التعديل، بشأن احترام السيادة والوحدة الترابية لإسبانيا، بما يشمل سبتة ومليلية والمواقع الأخرى التي عددها النص.
كما ربط المقترح إنهاء التعليق بتعاون المغرب بشكل فعال وسريع في إعادة المواطنين المغاربة الذين تقرر السلطات الإدارية أو القضائية الإسبانية إعادتهم أو طردهم.
ولم يقف سقف المطالب عند معاهدة الصداقة.
فالوثيقة تضمنت أيضاً الدعوة إلى مراجعة مجمل العلاقات الثنائية مع المغرب، بما يشمل التعاون الاقتصادي والتجاري والهجري والشرطي والعسكري والدبلوماسي، مع الدعوة إلى إنهاء أو تعليق آثار بعض أوجه هذا التعاون، بحسب كل حالة.
وهذه النقطة تكشف أن النقاش الذي وصل إلى البرلمان الإسباني لم يعد مقتصراً على إدارة الحدود أو الهجرة في سبتة، بل امتد، في مقترحات «فوكس»، إلى الأطر السياسية والأمنية والاقتصادية التي بنت عليها مدريد والرباط جزءاً مهماً من علاقاتهما الثنائية.
ولم تتوقف مطالب التصعيد عند العلاقات الثنائية بين مدريد والرباط.
فالتعديل الذي وثقته النشرة الرسمية دعا أيضاً إلى نقل الضغط إلى مستوى الاتحاد الأوروبي، عبر مطالبة الحكومة الإسبانية بالدفع نحو تعليق أو مراجعة اتفاق الشراكة الأورو-متوسطي الموقع مع المغرب في 26 فبراير 1996، إلى جانب باقي الاتفاقات والأموال والمساعدات والتفضيلات التي يستفيد منها المغرب.
وبذلك، لم يكن التصور الذي حمله تعديل «فوكس» يستهدف فقط إعادة ترتيب العلاقة الإسبانية المغربية، وإنما كان يسعى إلى نقل الخلاف إلى مستوى العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، بما يطال جزءاً من الإطار القانوني والمالي والتفضيلي الذي يحكم هذه العلاقة.
غير أن هذا البند، شأنه شأن تعليق معاهدة الصداقة وسحب السفير الإسباني وطرد السفير المغربي، ظل في مستوى المقترح السياسي ولم يتحول إلى قرار صادر عن البرلمان الإسباني.
وهنا يظهر الفارق الأساسي بين ما طُرح داخل البرلمان وما قرره البرلمان فعلاً.
فالمبادرة الأصلية للحزب الشعبي، التي حملت رقم 162/000833 والتي قُدم عليها تعديل «فوكس»، رُفضت في جلسة 10 شتنبر 2026، بعدما حصلت على 170 صوتاً مؤيداً مقابل 175 معارضاً وامتناع نائب واحد عن التصويت.
وبذلك، لم يتحول المسار الذي تضمنه تعديل «فوكس»، سواء بشأن سحب السفير الإسباني وطرد السفير المغربي وتعليق معاهدة الصداقة، أو مراجعة مجالات التعاون الثنائي والدفع نحو مراجعة جانب من علاقات المغرب بالاتحاد الأوروبي، إلى قرار صادر عن مجلس النواب.
لكن المسار البرلماني المرتبط بأزمة سبتة لم يتوقف عند ذلك التصويت.
فبعد ستة أيام، وفي 16 شتنبر، صادق مجلس النواب، في تصويت منفصل، على نقاط ضمن مبادرة برلمانية أخرى تقدم بها الحزب الشعبي بشأن الأزمة التي شهدتها سبتة.
والنص النهائي الذي نشره مجلس النواب رسمياً تضمن مطالبة الحكومة باستدعاء السفيرة المغربية في إسبانيا مجدداً، على خلفية المواقف المتعلقة بسبتة ومليلية، إلى جانب استدعاء سفير إسبانيا لدى المغرب للتشاور.
كما طالب البرلمان بالحصول على «توضيحات واضحة» بشأن تصرف السلطات المغربية خلال أحداث 30 و31 يوليوز، وتحديداً بشأن ما إذا كانت قد سمحت أو وافقت أو سهلت عملية الدخول الجماعي عبر الحدود في سبتة.
وهنا يظهر الخط الفاصل الذي رسمته نتائج التصويت داخل المؤسسة التشريعية الإسبانية.
فمن جهة، لم تتحول المطالب الأكثر تصعيداً التي ظهرت في تعديل «فوكس» إلى قرار للبرلمان: لا سحب للسفير الإسباني، ولا طرد للسفير المغربي، ولا تعليق لمعاهدة الصداقة، ولا قرار بإعادة النظر الشامل في العلاقات الثنائية أو المساس بالإطار التفضيلي للعلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي.
ومن جهة أخرى، وافق مجلس النواب لاحقاً على مستوى من الضغط الدبلوماسي يتمثل في استدعاء السفيرة المغربية في مدريد، واستدعاء السفير الإسباني لدى الرباط للتشاور، والمطالبة بتوضيحات من المغرب بشأن أحداث سبتة.
وبين استدعاء سفير للتشاور وبين سحبه أو طرده، وبين مطالبة دولة بتوضيحات وبين تعليق معاهدة عمرها أكثر من ثلاثة عقود، توجد مسافة سياسية ودبلوماسية كبيرة.
وهو فارق ضروري لفهم ما جرى داخل مدريد بعيداً عن الخلط بين مقترحات الأحزاب والتعديلات التي تُودع داخل البرلمان وبين القرارات التي تحصل فعلاً على موافقة مجلس النواب.
ومع ذلك، فإن وصول مطالب من هذا الحجم إلى الوثائق الرسمية للمؤسسة التشريعية الإسبانية يكشف سقف التصعيد الذي بلغته بعض المقاربات السياسية للعلاقة مع المغرب بعد أزمة سبتة: سحب سفراء، طرد دبلوماسيين، تعليق معاهدة الصداقة، إعادة تقييم التعاون الاقتصادي والتجاري والهجري والشرطي والعسكري والدبلوماسي، وصولاً إلى محاولة نقل الضغط إلى مستوى علاقات المغرب مع الاتحاد الأوروبي.
وتسمح الوثائق الرسمية بالفصل بين ثلاثة مستويات كثيراً ما تختلط في قراءة التطورات السياسية في مدريد: ما تقترحه الأحزاب، وما يصل إلى النقاش والتصويت داخل البرلمان، وما يتحول فعلاً إلى موقف صادر عن مجلس النواب.
وفي ملف معاهدة الصداقة، كانت النتيجة واضحة: طُرح تعليقها داخل المؤسسة التشريعية ضمن تعديل «فوكس»، لكنه لم يتحول إلى قرار للبرلمان.
أما في الجانب الدبلوماسي، فقد ذهب مجلس النواب في تصويت لاحق إلى إقرار مطالبة الحكومة باستدعاء السفيرة المغربية في مدريد مجدداً واستدعاء السفير الإسباني لدى المغرب للتشاور، إلى جانب طلب توضيحات من الرباط بشأن أحداث سبتة.
وهكذا، لا تكشف الوثيقة عن قرار إسباني بتعليق معاهدة الصداقة مع المغرب أو المساس فعلياً باتفاقاته الأوروبية، لكنها تكشف إلى أي مستوى وصلت الخيارات التي طُرحت داخل البرلمان، وأين رسم التصويت، حتى الآن، الحد الفاصل بين الضغط الدبلوماسي والتصعيد الذي كان سيمتد من بنية العلاقات المغربية الإسبانية إلى علاقات الرباط بالاتحاد الأوروبي.
