قالت الأستاذة الجامعية والناشطة الحقوقية، لطيفة البوحسيني، في تدوينة على صفحتها بموقع فيسبوك، إن النقاش حول وصول النساء إلى مواقع القرار السياسي لا يمكن فصله عن مبادئ النزاهة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وذلك في سياق حديثها عن الجدل المتصاعد بشأن احتمال تولي فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة المقبلة.
واختارت البوحسيني لتدوينتها عنواناً واضحاً: «ولوج النساء إلى مواقع القرار السياسي.. لا لتوظيف القضايا العادلة لخدمة المصالح الخاصة وعلى حساب المصلحة العامة»، قبل أن تستعرض مسار نضال الحركة النسائية والحقوقية المغربية منذ الاستقلال من أجل توسيع حضور النساء داخل المؤسسات ومراكز صنع القرار.
واعتبرت أن المكاسب التي تحققت في هذا المجال لم تأت من فراغ، بل كانت ثمرة عقود من نضال الجمعيات النسائية والحقوقية التي نظمت نفسها في شبكات وائتلافات، وانتقلت من مجرد الاحتجاج إلى تقديم مقترحات وبرامج عملية لمواجهة العوائق التي تحد من التمثيلية السياسية للنساء على المستويات الوطنية والجهوية والمحلية.
وتوقفت البوحسيني عند دستور 2011 وما تبعه من إصلاحات قانونية وآليات للتمييز الإيجابي، معتبرة أنها دفعت الأحزاب السياسية إلى توسيع حضور النساء في الترشيحات، وساهمت في رفع نسبة تمثيليتهن داخل عدد من المؤسسات المنتخبة.
كما أشارت إلى التحول الذي عرفه حضور المرأة داخل الفضاء العام، سواء من خلال ولوج المهن ذات التأهيل العالي والمهن الحرة، أو من خلال المشاركة المباشرة في الاحتجاجات والحركات الاجتماعية.
واستحضرت في هذا السياق نساء قدن احتجاجات للمطالبة بالحق في الماء بمدينة فكيك، وأخريات دافعن عن حقهن في الأراضي السلالية، إلى جانب مشاركة النساء في احتجاجات الريف ومسيرات آيت بوگماز واحتجاجات «جيل Z»، فضلاً عن تحركات عاملات للاحتجاج على خروقات مرتبطة بقانون الشغل.
ومن هذا المنطلق، اعتبرت البوحسيني أن طموح النساء والرجال إلى الوصول إلى مواقع المسؤولية السياسية حق مشروع ومضمون، لكنها شددت في المقابل على أن هذا الحق، الذي انتزع بعد نضالات طويلة، لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لخدمة مصالح شخصية.
وربطت البوحسيني موقفها مباشرة بالنقاش السياسي الدائر حول احتمال تكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة المقبلة، مشيرة إلى التصريحات التي قالت فيها المنصوري، عقب انتخابات 23 شتنبر، إن تكليفها بتحمل مسؤولية رئاسة الحكومة سيكون بالنسبة إليها «شرفاً كبيراً».
غير أن البوحسيني قالت إن احتمال وصول المنصوري إلى رئاسة الحكومة يثير، في نظرها، أسئلة تتعلق بمعايير النزاهة والمسؤولية والمصلحة العامة، معتبرة أن أكثر ما يثير اعتراضها هو تقديم مثل هذا الاحتمال تحت عنوان «الحداثة» أو باعتباره في حد ذاته انتصاراً لقضية النساء.
ووضعت البوحسيني تعريفاً صارماً للحداثة، معتبرة أنها تقوم على العقلانية والحريات واحترام القانون وتطبيقه بالتساوي، وعلى استقلال القضاء والفصل بين المجال الخاص والمجال العام، فضلاً عن حماية المال العام وضمان توجيهه حصراً لخدمة المجتمع.
ومن هذا المنطلق، تساءلت عن معنى الحداثة عندما يتعلق الأمر بشخصية تثار حولها، بحسب تعبيرها، أسئلة مرتبطة بتضارب المصالح.
وأعادت البوحسيني في هذا السياق التذكير بما نشره موقع «Le Desk» ضمن سلسلة تحقيقات حول أراضي تسلطانت، والتي أثار فيها الموقع أسئلة بشأن مصالح عقارية منسوبة إلى المنصوري وأفراد من عائلتها، وعلاقتها بقرارات مرتبطة بالتعمير.
وقالت البوحسيني، وفق ما جاء في تدوينتها، إنه لم يُفتح حتى الآن تحقيق قضائي على خلفية ما نشره الموقع، معتبرة أن المعطيات والوثائق التي جرى تداولها تستدعي توضيحاً وحسماً من الجهات المختصة.
وشددت على أنها لا تسعى إلى إدانة المنصوري، وأن موقفها ينطلق من احترام قرينة البراءة وتجنب التشهير، لكنها اعتبرت أن الأسئلة المثارة تحتاج، في نظرها، إلى تحقيق يرفع الشك ويحدد المسؤوليات.
وتساءلت البوحسيني: «عن أي حداثة نتحدث عندما تتعايش مع شبهات ثقيلة بتضارب المصالح؟ وعن أي حداثة نتحدث عندما تتحمل اتهامات باستغلال السلطة لأغراض شخصية؟»، كما تساءلت عن عدم اللجوء إلى القضاء من أجل رفع الشكوك المرتبطة بهذه الاتهامات وإظهار الحقيقة.
وأضافت: «كنت سأكون سعيدة لو سارعت السيدة المنصوري، من تلقاء نفسها، إلى المطالبة بفتح تحقيق بشأن ما كشفه Le Desk».
وقالت البوحسيني أيضاً إنها كانت ستسعد لو طلبت المنصوري بنفسها إجراء افتحاص موضوعي لممتلكاتها وثروتها، بهدف رفع أي غموض وإبعاد الشبهات وتوضيح المسؤوليات.
وأكدت أنها كانت ستفتخر بأن يقدم المغرب نموذجاً في منح الثقة للنساء على قدم المساواة مع الرجال، لكنها شددت على أن المساواة في الوصول إلى المسؤولية يجب أن تقترن، في الوقت نفسه، بالمساواة في الخضوع لمعايير النزاهة والمساءلة.
وقالت البوحسيني إنها ترفض «تحريف النضال النبيل للنسويات والحط منه»، معتبرة أن الدفاع عن حقوق النساء لا يمكن أن ينفصل عن مبادئ النزاهة والاستقامة.
وأضافت أن النساء لسن جميعاً نماذج معصومة من الخطأ، كما أنهن لسن مصدر جميع الانحرافات، تماماً مثل الرجال، معتبرة أن المعيار ينبغي أن يظل واحداً بالنسبة للجميع.
وذهبت إلى القول إن كل من تحوم حوله، بحسب تقديرها، «شكوك مشروعة» ينبغي أن يبتعد عن المسؤولية إلى أن يقول القضاء كلمته، مؤكدة أن من يطمح إلى تدبير الشأن العام وقيادة مصير المواطنين مطالب بتقديم ضمانات قوية في النزاهة والاستقامة.
واختتمت البوحسيني موقفها بالتشديد على أن الدفاع عن وصول النساء إلى مواقع القرار لا ينبغي، في نظرها، أن يتحول إلى وسيلة لتجاوز أسئلة الشفافية والمساءلة، وأن النضال من أجل المساواة يظل مرتبطاً بالنسبة إليها بمبادئ النزاهة وحماية المصلحة العامة.
