بقلم: الباز عبدالإله
بعيداً عن عدسات الاجتماعات الكبرى في مقر الأمم المتحدة، عاد المغرب إلى طاولة جماعية لاتفاقات أبراهام بعد أكثر من ثلاث سنوات من توقف هذا النوع من اللقاءات، في اجتماع بنيويورك جمع مسؤولين كباراً من الولايات المتحدة والمغرب وإسرائيل والإمارات والبحرين وكازاخستان، وفتح النقاش حول مستقبل الاتفاقات وإعادة بناء التعاون متعدد الأطراف بين الدول المشاركة.
المعطى ثقيل سياسياً لأن الأمر لا يتعلق بلقاء مغربي إسرائيلي ثنائي، ولا باجتماع بروتوكولي عابر.
مؤسسة «N7 Foundation» الأمريكية، التي استضافت المائدة المستديرة يوم الخميس 24 شتنبر 2026، قالت صراحة إنها أول مرة تجتمع فيها دول اتفاقات أبراهام في هذا الإطار منذ يناير 2023.
المغرب كان حاضراً بمسؤول رفيع لم تكشف المؤسسة عن اسمه، إلى جانب وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية أليسون هوكر ومسؤولين نظراء من إسرائيل والإمارات والبحرين وكازاخستان.
توقيت العودة لا يقل أهمية عن الحضور نفسه. آخر اجتماع جماعي مماثل يعود إلى ما قبل حرب غزة التي اندلعت في أكتوبر 2023 وأعادت ترتيب الأولويات الإقليمية وأضعفت الزخم الذي كان يرافق توسيع اتفاقات أبراهام نحو دول جديدة.
بعد أكثر من ثلاث سنوات، تعود الرباط اليوم إلى طاولة واحدة مع واشنطن وإسرائيل والإمارات والبحرين، في وقت تتحرك فيه الإدارة الأمريكية لإعادة دفع هذا المسار وتوسيعه.
بيان N7 حدد عملياً ملامح المرحلة التي يجري الاشتغال عليها: تعميق العلاقات القائمة، إدخال شركاء جدد، البحث عن نتائج ملموسة في الملفات ذات الاهتمام المشترك، وبناء آليات أكثر استدامة للتعاون الاستراتيجي متعدد الأطراف.
المسألة، وفق هذه الصياغة، لم تعد مرتبطة فقط بالحفاظ على العلاقات الثنائية التي انطلقت قبل سنوات، وإنما بمحاولة تحويل اتفاقات أبراهام إلى منصة أوسع للعمل الجماعي.
التفاصيل التي كشفتها شبكة CBS News الأمريكية تزيد الصورة وضوحاً.
الاجتماع عقد بهدوء في برج بمانهاتن على مسافة قصيرة من مقر الأمم المتحدة، بينما كانت الأنظار متجهة إلى أشغال الجمعية العامة.
أليسون هوكر اعتبرت، وفق الشبكة الأمريكية، أن عودة دول الاتفاقات إلى الاجتماع بعد سنوات من الانقطاع تحمل إشارة إلى أن المسار بدأ يتحرك إلى الأمام من جديد.
CBS نقلت أيضاً عن مسؤول أمريكي رفيع أن فريق وزير الخارجية ماركو روبيو والمبعوث الخاص للبيت الأبيض ستيف ويتكوف يعطي ملف اتفاقات أبراهام أولوية، ما يضع الاجتماع داخل تحرك أمريكي أوسع وليس فقط ضمن نشاط لمؤسسة خاصة.
هنا تكمن واحدة من أهم دلالات لقاء نيويورك بالنسبة إلى المغرب.
الرباط لم تشارك فقط في اجتماع يحافظ على العلاقات القائمة، بل جلست داخل إطار يناقش توسيع الاتفاقات، وإدخال شركاء جدد، وتحويلها إلى تعاون أكثر تنظيماً واستدامة.
كازاخستان تقدم المثال الأوضح على هذا التوجه.
المائدة المستديرة شكلت أول مشاركة رسمية لمسؤولين كازاخستانيين في اجتماع من هذا النوع، ورحب المشاركون، وفق بيان N7، بانضمامها المرتقب إلى اتفاقات أبراهام.
دخول كازاخستان المحتمل يوسع الخريطة جغرافياً نحو آسيا الوسطى، ويعطي مؤشراً على أن واشنطن وشركاءها لا يبحثون فقط عن استعادة الزخم الذي فقدته الاتفاقات، وإنما عن توسيع نطاقها خارج الدائرة التي تحركت داخلها خلال السنوات الأولى.
وسط هذه التحركات، يظل الموقف المغربي داخل الاجتماع غير معلن بالتفصيل.
بيان N7 لم يكشف اسم المسؤول الذي مثل الرباط، ولم ينسب إليه تصريحاً منفصلاً، كما لم يقدم معطيات حول المواقف التي دافع عنها المغرب خلال النقاشات.
ولم يعلن الاجتماع عن اتفاق جديد وقعه المغرب، ولا عن التزام مغربي بمشروع سياسي أو اقتصادي محدد، ولا عن تغيير في موقف الرباط من الحرب في غزة أو القضية الفلسطينية.
هذه النقطة أساسية لأن المشاركة تثبت استمرار وجود المغرب داخل المسار الجماعي لاتفاقات أبراهام، لكنها لا تسمح وحدها باستنتاج تحول جديد في سياسته تجاه إسرائيل أو القضية الفلسطينية.
الثابت هو أن الرباط عادت إلى طاولة توقفت، وفق الجهة المنظمة، منذ يناير 2023.
والثابت أيضاً أن الاجتماع لم يأت في لحظة دبلوماسية عادية.
الحرب في غزة والقضية الفلسطينية ما تزالان في قلب التوتر الإقليمي، ومع ذلك اجتمعت الدول المرتبطة باتفاقات أبراهام من جديد وبحضور مغربي رسمي.
الأكثر لفتاً أن هذه العودة لم تتم عبر قمة كبيرة أو إعلان سياسي واسع، بل داخل اجتماع محدود التغطية انعقد على هامش أسبوع دبلوماسي استثنائي في نيويورك.
N7 نفسها تتحدث عن مرحلة مقبلة تبحث خلالها عن «آليات دائمة» للتعاون الاستراتيجي متعدد الأطراف وتحويل المصالح المشتركة إلى نتائج ملموسة للدول المشاركة.
لا يعني ذلك أن هذه الآليات أصبحت قائمة أو أن المغرب وافق على التزامات جديدة، لكنه يكشف الاتجاه الذي تحاول الأطراف الداعمة للمسار دفع اتفاقات أبراهام نحوه.
المعطى السياسي الأثقل بالنسبة إلى الرباط يوجد هنا بالضبط: بعد أكثر من ثلاث سنوات من غياب الاجتماعات الجماعية، عاد المغرب إلى الطاولة في اللحظة التي تتحرك فيها واشنطن لإعادة تشغيل المسار، وتوسيع العضوية، والانتقال من العلاقات الثنائية إلى تعاون أكثر تنظيماً بين الدول المشاركة.
ما الذي وافق عليه المغرب داخل الغرفة؟ وما المشاريع التي يمكن أن تنتج عن هذه العودة؟ الوثائق المنشورة لا تقدم جواباً حتى الآن.
لكن ما تثبته بوضوح هو أن الطاولة الجماعية عادت إلى الانعقاد، وواشنطن تريد دفعها إلى مرحلة جديدة، والمغرب كان حاضراً فيها.
