بقلم: الباز عبدالإله
بعد انتخابات 23 شتنبر 2026، لم يعد السؤال مقتصراً على من ربح المقاعد ومن خسرها. فخلف انتقال حزب الأصالة والمعاصرة إلى الصدارة بـ97 مقعداً، وتراجع التجمع الوطني للأحرار إلى 66 مقعداً، برز سؤال أكثر حساسية: عندما يصوت المواطن على حصيلة حكومة، ما حدود المسؤولية الفعلية للحكومة والأحزاب عن القرارات التي تُحاسب عليها في الصندوق؟
النتائج النهائية التي أكدت وزارة الداخلية مطابقتها للنتائج الأولية وضعت حزب الأصالة والمعاصرة أولاً بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم حزب الاستقلال بـ65، والعدالة والتنمية بـ54 مقعداً.
أما المشاركة فاستقرت في حدود 38 في المائة، بعدما أعلنت وزارة الداخلية نسبة 38.02 في المائة عند إغلاق مكاتب التصويت، قبل أن تورد نسبة 38.08 في المائة خلال إعلان النتائج الأولية.
لكن قراءة ألمانية صدرت بعد الاقتراع بيومين ذهبت أبعد من حساب المقاعد. مؤسسة «كونراد أديناور» الألمانية، في تقريرها المؤرخ بـ25 شتنبر، اعتبرت أن فهم الانتخابات المغربية يمر عبر العلاقة بين المؤسسة الملكية والحكومة والأحزاب، وأن المنافسة بين القوى السياسية لا تدور، بحسب تحليلها، بالضرورة حول اتجاهات استراتيجية متناقضة جذرياً، بقدر ما تتعلق بطريقة تنفيذ الخيارات الكبرى للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
التقرير وضع أمام القارئ ما وصفه بمنطق خاص للمساءلة السياسية. فعندما تنجح مشاريع التحديث الكبرى وتظهر نتائج اقتصادية إيجابية، يمكن أن يعود جزء من رصيد النجاح إلى المؤسسة الملكية، بينما تقع المسؤولية السياسية بصورة أكبر على الحكومة والأحزاب عندما لا تتحقق الوعود أو عندما ترتبط المشاريع بأعباء اجتماعية واقتصادية.
وهذه قراءة المؤسسة الألمانية لطبيعة توزيع المسؤولية السياسية داخل النظام المغربي، وليست توصيفاً قانونياً لاختصاصات المؤسسات التي يحددها الدستور والقانون.
وقبل التقرير الألماني بتسعة أيام، كانت مقابلة نشرتها «Mondafrique» الفرنسية في 16 شتنبر مع الصحافي والكاتب الفرنسي Thierry Oberlé قد طرحت قراءة أكثر حدة لطبيعة مركز القرار في المغرب.
ووصف Oberlé النظام بأنه «ملكية تنفيذية»، واعتبر أن الملفات السيادية تدار في مستوى المؤسسة الملكية ومحيطها، بينما رأى أن هامش الحكومة يظل مختلفاً عن الصورة التي توحي بها المسؤولية السياسية المباشرة لرئيسها.
وتبقى هذه المواقف آراءً وتحليلات لصاحبها، وليست وقائع مؤسساتية مثبتة خارج ما يحدده الدستور والقانون.
التقاء القراءتين، رغم اختلاف النبرة وطبيعة المصدر، يعيد فتح سؤال أصبحت له الآن أرقام انتخابية ملموسة. فالتجمع الوطني للأحرار، الذي قاد الحكومة منذ 2021، انتقل من 102 مقعداً في الانتخابات السابقة إلى 66 مقعداً فقط سنة 2026، بينما صعد الأصالة والمعاصرة، الذي كان بدوره شريكاً في الحكومة نفسها، إلى 97 مقعداً وأصبح القوة الأولى في مجلس النواب.
وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات الاقتراع إثارة للنقاش: كيف يمكن للناخب أن يفصل في الصندوق بين مسؤولية رئيس الحكومة، ومسؤولية أحزاب الأغلبية التي شاركته التدبير، والمسؤولية المرتبطة بالخيارات الاستراتيجية التي لا تصنعها الحكومة وحدها؟
تقرير «كونراد أديناور» نفسه يلفت إلى أن الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار لا يمثلان، وفق قراءته، نموذجين متعارضين جذرياً في التنمية والاستثمار.
ولذلك يقرأ انتقال الصدارة من حزب إلى آخر باعتباره تحولاً داخل إطار سياسي واقتصادي تظل أهدافه الكبرى مستقرة إلى حد بعيد، أكثر مما هو انتقال بين مشروعين متناقضين بالكامل.
هذه النقطة تكتسب أهمية خاصة لأن الحملة الانتخابية شهدت تبادل انتقادات حادة بين الحزبين رغم أنهما أدارا معاً الحكومة المنتهية ولايتها.
ويشير التقرير الألماني إلى أن الأصالة والمعاصرة حاول خلال الحملة الجمع بين الدفاع عن حصيلة اقتصادية شارك فيها وبين تحميل شركائه مسؤولية جزء من التعثر الاجتماعي، خصوصاً في الملفات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.
الأرقام الانتخابية تقول إن هذه المعادلة انتهت بتراجع الحزب الذي كان يقود الحكومة وصعود أحد أبرز شركائه فيها.
لكنها لا تحسم وحدها سؤال من يتحمل أي جزء من الحصيلة، لأن السنوات الخمس السابقة لم تكن تجربة حزب واحد، بل حكومة ائتلافية ضمت التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال.
وتزداد المسألة تعقيداً عندما توضع إلى جانب نسبة المشاركة. فتقرير المؤسسة الألمانية لاحظ أن نسبة المشاركة تُحتسب انطلاقاً من المسجلين في اللوائح الانتخابية، وليس من مجموع المواطنين المؤهلين للتصويت، وربط انخفاضها بما اعتبره حالة من العزوف تجاه النظام الحزبي.
أمام هذه الصورة، لا يصبح السؤال بعد انتخابات 23 شتنبر فقط من سيشكل الحكومة المقبلة، بل كيف ستُوزع المسؤولية السياسية عن القرارات المقبلة أمام المواطن.
فالبرلمان والحكومة الجديدان سيواكبان مرحلة حاسمة من استثمارات مونديال 2030، وبرامج البنية التحتية والحماية الاجتماعية والتشغيل، وهي ملفات يقول تقرير «كونراد أديناور» إنها ستجعل الحكم على المرحلة المقبلة مرتبطاً أكثر بمدى وصول نتائج الاستثمار إلى فرص الشغل والخدمات والمجالات الموجودة خارج المراكز الحضرية الكبرى.
الصندوق غيّر ترتيب الأحزاب بالفعل، لكنه أعاد في الوقت نفسه إلى الواجهة سؤالاً أقدم من الانتخابات نفسها: إذا كانت الحكومة مطالبة أمام الناخب بتنفيذ السياسات وتحمل كلفتها السياسية، فأين تبدأ مسؤوليتها دستورياً وسياسياً، وأين تقف أمام الاختصاصات والأدوار التي توزعها البنية المؤسساتية المغربية؟
