بقلم: الباز عبدالإله
كشفت دراسة علمية نُشرت اليوم الجمعة 9 أكتوبر 2026 عن عوائق تواجه بعض النساء المنتخبات داخل المجالس الجماعية المغربية، تتعلق باللغة المستعملة في المداولات، وتنظيم لقاءات في مقاهٍ قروية يغلب عليها الحضور الرجالي، واختيار مواعيد قد تحد من مشاركتهن.
وهي ممارسات تثير تساؤلات بشأن قدرة المنتخبات على التأثير في القرارات رغم امتلاكهن الصلاحيات الانتخابية نفسها التي يتمتع بها باقي أعضاء المجالس.
الدراسة، المنشورة في مجلة «Social Sciences» التابعة للناشر العلمي «MDPI»، اتخذت من جهة بني ملال خنيفرة مجالاً للبحث، وركزت على النساء المنتخبات الناطقات بالأمازيغية، لرصد العوامل التي قد تجعل تمثيليتهن داخل المؤسسات المحلية غير كافية لضمان المشاركة الفعلية في تدبير الشأن الجماعي.
وأعد البحث حنان البركة وريزلان مشرفي ومحمد خالد برانداليز الرزالي ولحسن العساوي، تحت عنوان يتناول استمرار البنيات الذكورية المؤسسية رغم التمثيلية السياسية، وعلاقة المجال القروي والنوع الاجتماعي بالمشاركة السياسية للنساء الأمازيغيات بالمغرب.
واعتمد الباحثون على مقابلات ميدانية شبه موجهة مع منتخبات ومسؤولين محليين، لكشف تأثير بعض الممارسات اليومية على فرص النساء في متابعة النقاشات والمساهمة في القرارات داخل المجالس.
وأظهرت النتائج أن هيمنة العربية على المداولات قد تضع بعض المستشارات الناطقات بالأمازيغية أمام صعوبات في فهم القضايا المعروضة للنقاش، خصوصاً عندما لا يمتلكن الكفايات اللغوية الكافية لمتابعة التفاصيل والتدخل بشأنها.
وتتجاوز تداعيات هذا العائق مسألة التواصل، لأن العضوة التي تجد صعوبة في استيعاب النقاش قد تواجه صعوبة أيضاً في تقييم المقترحات المعروضة والمشاركة في صياغة المواقف بشأنها، حتى وإن كانت تتمتع قانونياً بحق المناقشة والتصويت.
وفي جانب آخر، رصد البحث تنظيم بعض اللقاءات المرتبطة بالعمل الجماعي داخل مقاهٍ قروية يغلب عليها الحضور الرجالي، وهي فضاءات قد لا تتيح للمنتخبات فرص المشاركة نفسها، بالنظر إلى الأعراف الاجتماعية التي تحكم ارتيادها في بعض المناطق.
ولا تكفي هذه النتيجة لإثبات أن الدورات الرسمية للمجالس تُعقد داخل المقاهي، لكنها تطرح إشكالاً يتعلق باللقاءات والتفاعلات المرتبطة بالعمل المحلي، ومدى قدرة جميع أعضاء المجلس على حضورها والمشاركة فيها.
كما كشفت المقابلات عن تأثير توقيت الاجتماعات على مشاركة بعض المنتخبات، خصوصاً عندما تتزامن مع التزامات أسرية واجتماعية، بما يجعل تحديد الموعد عاملاً مؤثراً في إمكانية الحضور والمساهمة في المناقشات.
وتشير الدراسة إلى أن هذه العوائق لا تعمل بالضرورة بصورة منفصلة؛ فالمنتخبة التي تواجه صعوبة في فهم لغة المداولات قد تتقلص فرص مشاركتها أكثر إذا كانت بعض اللقاءات تُعقد في فضاءات يصعب عليها ارتيادها، أو في أوقات تتعارض مع مسؤولياتها.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ظل الاعتراف الدستوري بالأمازيغية لغة رسمية، واعتماد آليات لتعزيز التمثيلية السياسية للنساء، بينما تكشف الحالة الميدانية المدروسة أن توسيع المشاركة القانونية لا يلغي تلقائياً العوائق المرتبطة بالتدبير اليومي للمؤسسات.
ولا تقدم الدراسة حكماً شاملاً على وضع النساء داخل المجالس الجماعية بالمغرب، إذ تستند إلى بحث نوعي في جهة محددة، ولا تسمح نتائجها بتعميم الممارسات المرصودة على جميع الجماعات أو اعتبارها تجربة مشتركة بين مختلف المنتخبات.
غير أن المعطيات المنشورة تضع الأحزاب السياسية ورؤساء الجماعات أمام أسئلة تتعلق بمسؤوليتهم في توفير شروط ممارسة الانتداب الانتخابي، بدءاً بتيسير فهم المداولات، مروراً باختيار فضاءات مناسبة للقاءات، ووصولاً إلى برمجة الاجتماعات في مواعيد تراعي إمكانية حضور جميع الأعضاء.
وتشمل المساءلة أيضاً الأحزاب التي تزكي النساء للترشح باسمها، ومدى مواكبتها لهن بعد الفوز بالمقاعد الانتخابية، سواء عبر التكوين أو الدعم اللازم لممارسة مهامهن، بدلاً من حصر الاهتمام في تحقيق نسب التمثيلية خلال الانتخابات.
وتفتح الدراسة بذلك سؤالاً يتجاوز عدد النساء المنتخبات إلى شروط ممارستهن للسلطة المحلية: هل تضمن الأحزاب ورؤساء الجماعات للنساء اللواتي يصلن إلى المجالس فرصاً فعلية للمشاركة في القرارات، أم ينتهي الاهتمام بتمثيليتهن عند إعلان نتائج الانتخابات؟
