بقلم: الباز عبدالإله
في أول استحقاق برلماني بعد خروجه من الحكومة، لم يقدم حزب التجمع الوطني للأحرار مرشحاً لرئاسة مجلس النواب، تاركاً المنافسة بين أحمد التويزي، مرشح الأصالة والمعاصرة المدعوم من الأغلبية، وإدريس الأزمي الإدريسي عن العدالة والتنمية.
ويأتي هذا الموقف بعد ساعات من إعلان رئيس الحزب محمد شوكي الاستعداد لممارسة معارضة «قوية ومسؤولة وبناءة»، ما يفتح النقاش حول الطريقة التي سيترجم بها الفريق التجمعي، صاحب 66 مقعداً، موقعه الجديد داخل المؤسسة التشريعية.
وتحمل انتخابات رئاسة مجلس النواب دلالة خاصة بالنسبة للأحرار، بعدما ظل المنصب في حوزة القيادي التجمعي رشيد الطالبي العلمي خلال الولاية السابقة، بالتزامن مع قيادة عزيز أخنوش للحكومة.
أما اليوم، فيستعد الحزب لممارسة المعارضة في مواجهة أغلبية رباعية يقودها الأصالة والمعاصرة، الذي اختار أحمد التويزي مرشحاً لخلافة الطالبي العلمي.
وتكشف نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026 عن حجم التحول الذي عرفه الحزب، بعدما تراجع من 102 مقاعد في انتخابات 2021 إلى 66 مقعداً، بخسارة 36 مقعداً.
ورغم احتفاظه بالمرتبة الثانية في الترتيب البرلماني، فقد وجد نفسه خارج التحالف الحكومي الجديد، المكون من الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، والذي يتوفر على 207 مقاعد من أصل 395.
وفي المقابل، اختار العدالة والتنمية، الذي حصل على 54 مقعداً، تقديم إدريس الأزمي الإدريسي لمنافسة مرشح الأغلبية، رغم التفوق العددي للتحالف الحكومي.
ويعكس هذا الترشح رغبة الحزب في خوض المنافسة المؤسساتية، بينما يثير عدم تقديم الأحرار مرشحاً سؤالاً حول تصورهم للتعامل مع الاستحقاقات البرلمانية المقبلة.
غير أن عدم الترشيح لا يعني بالضرورة الامتناع عن التصويت، كما أن الامتناع، في حال وقوعه، لا يشكل وحده دليلاً على التقارب مع الأغلبية أو التخلي عن المعارضة.
فهذه مواقف مختلفة سياسياً وبرلمانياً، ولا يمكن تحديد دلالاتها بصورة دقيقة قبل معرفة موقف الفريق خلال الاقتراع والنتائج الرسمية للجلسة.
وكان محمد شوكي قد أكد، الثلاثاء 13 أكتوبر، أن التجمع الوطني للأحرار سيعتمد في معارضته على تجربته الحكومية ووزنه البرلماني، من خلال مراقبة السياسات العمومية ومناقشة الاختيارات الحكومية وتقديم البدائل، بعيداً عن الرفض لمجرد الرفض.
وتضع هذه التصريحات الحزب أمام مسؤولية سياسية جديدة، خصوصاً أن جزءاً مهماً من السياسات العمومية والبرامج التي ستخضع للمساءلة خلال المرحلة المقبلة يرتبط بقرارات اتخذتها الحكومة السابقة التي قادها الأحرار.
وهو ما يمنح النقاش حول حصيلة السنوات الخمس الماضية موقعاً أساسياً في علاقته بالأغلبية الجديدة وببقية أحزاب المعارضة.
وتبرز أيضاً مسألة التنسيق بين الفرق المعارضة. فالتجمع الوطني للأحرار يتوفر على عدد مقاعد أكبر من العدالة والتنمية والحركة الشعبية كل على حدة، غير أن هذا التفوق العددي لا يعني بالضرورة وجود توافق سياسي بينها، خاصة بعدما كانت هذه الأحزاب في مواقع متعارضة خلال الولاية المنتهية.
وبالنسبة للأحرار، لن يتوقف اختبار المعارضة عند انتخاب رئيس مجلس النواب.
فمناقشة البرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية، واستعمال آليات المساءلة الرقابية، وتقديم التعديلات والمقترحات التشريعية، ستكون محطات أكثر وضوحاً لقياس طبيعة العلاقة التي سيقيمها الحزب مع الأغلبية الجديدة.
أما في ملف رئاسة المجلس، فيبقى موقف نواب الأحرار خلال التصويت المعطى الحاسم الذي ينبغي توثيقه قبل وصف اختيارهم بالامتناع أو الحياد.
وبين إعلان معارضة قوية وعدم خوض المنافسة على الرئاسة، تظل أولى قرارات الفريق البرلماني مؤشراً يستحق المتابعة، دون استباق دلالاته السياسية.
