بقلم: الباز عبدالإله
أعادت مدونة الأخلاقيات والقيم الجديدة لموظفي وزارة العدل ملف تسريب الوثائق القضائية إلى الواجهة، بعدما شددت على منع إفشاء المعلومات التي يطلع عليها الموظفون بحكم مهامهم لوسائل الإعلام دون ترخيص مسبق، في وقت يتضمن فيه قانون المسطرة الجنائية مقتضيات تحمي المبلغين عن جرائم الفساد من المتابعة بسبب إفشاء السر المهني، وفق شروط محددة.
وجاء اعتماد المدونة بموجب منشور لوزارة العدل مؤرخ في 6 أكتوبر 2026، قبل الإعلان عنها رسمياً في 9 أكتوبر، لتشمل موظفي المصالح المركزية واللاممركزة والعاملين بمختلف محاكم المملكة، مع توجيه المسؤولين إلى تعميم مقتضياتها وتنظيم دورات تكوينية بشأنها.
غير أن إعداد هذه الوثيقة سبق التحذيرات الأخيرة من تسريب الملفات القضائية، إذ أعلنت وزارة العدل، في بلاغ رسمي صدر يوم 15 أبريل 2026 بشأن الحوار القطاعي، أنها أعدت مشروع مدونة الأخلاقيات وسلمت آخر صيغة محينة منه إلى النقابات لإبداء ملاحظاتها، أي قبل نحو أربعة أشهر ونصف من مراسلة جديدة شددت فيها على واجب كتمان السر المهني.
ففي فاتح شتنبر 2026، وجهت الوزارة مراسلة إلى المسؤولين الإداريين بمحاكم المملكة، حذرت فيها من تسريب الوثائق والمعلومات القضائية أو تصويرها وتداولها خارج الإطار القانوني، مع التذكير بالمسؤولية التأديبية والجنائية التي قد تترتب عن هذه الأفعال متى ثبتت المخالفات وتوفرت شروط المتابعة.
وتضم المدونة الجديدة 30 مادة موزعة على أربعة أبواب، تتناول النزاهة والحياد وتضارب المصالح وحماية المعطيات الشخصية، إلى جانب واجب السرية والتحفظ في التعامل مع الملفات والمستندات التي يطلع عليها الموظفون أثناء أداء مهامهم.
وتنص المادة 21، وفق المقتضيات المنشورة من المدونة، على التزام الموظف بكتمان المعلومات التي تصل إلى علمه أثناء ممارسة وظيفته، حتى بعد مغادرته العمل، ما لم يسمح القانون بالكشف عنها، كما تمنع إطلاع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة على المعلومات المهنية دون ترخيص مسبق.
أما المادة 20، فتربط التعامل مع الملفات والمعلومات بحماية الحياة الخاصة للأفراد والمعطيات ذات الطابع الشخصي، استناداً إلى القانون رقم 09.08، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمعلومات تمس أطراف النزاعات القضائية.
ولا يمثل واجب كتمان السر المهني التزاماً مستحدثاً في الإدارة المغربية، إذ ينص الفصل 18 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، الصادر بظهير 24 فبراير 1958، على ضرورة احتفاظ الموظف بالأسرار التي يعلمها أثناء أداء مهامه أو بمناسبتها، ويقيد تبليغ مستندات الإدارة إلى الغير، مع السماح برفع واجب الكتمان في الحالات ووفق الشروط المقررة قانوناً.
وفي جانب آخر من المنظومة القانونية، يضمن الفصل 27 من الدستور المغربي الحق في الحصول على المعلومات الموجودة لدى الإدارات والمؤسسات العمومية والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام، بينما ينظم القانون رقم 31.13 ممارسة هذا الحق ويحدد الاستثناءات المرتبطة بحماية الحياة الخاصة وسرية المعلومات المحمية قانوناً.
لكن المادة 82-9 من قانون المسطرة الجنائية تتضمن مقتضى مباشراً يتعلق بالموظفين الذين يبلغون عن جرائم معينة وصلت إلى علمهم بمناسبة ممارسة مهامهم، إذ تقرر عدم جواز متابعتهم تأديبياً أو جنائياً على أساس إفشاء السر المهني، متى استوفى التبليغ الشروط المنصوص عليها قانوناً.
وترتبط هذه الحماية بالجرائم المشمولة بمقتضيات المادة 82-7، ومنها الرشوة واستغلال النفوذ والاختلاس والتبديد والغدر وغسل الأموال، وتقوم على التبليغ بحسن نية ولأسباب وجيهة إلى السلطات المختصة.
ولا تعني هذه المقتضيات السماح للموظفين بتسريب الملفات إلى الصحافة أو نشر معلومات شخصية عن المتقاضين، لأن الحماية القانونية المقررة للمبلغين تختلف عن إباحة تداول الوثائق خارج المساطر المعتمدة، سواء تعلق الأمر بوثائق قضائية أو بمعطيات محمية بموجب القانون.
ويضع ذلك موظفي وزارة العدل أمام التزامين قانونيين متوازيين، أولهما المحافظة على سرية الملفات والمعلومات المهنية، وثانيهما إمكانية التبليغ عن جرائم محددة عبر القنوات المختصة مع الاستفادة من الحماية التي يقررها قانون المسطرة الجنائية، دون أن يشكل واجب السر المهني، في الحالات المستوفية للشروط، أساساً لمتابعة المبلغ.
ولم يقدم البلاغ الرسمي الصادر عن وزارة العدل بمناسبة اعتماد المدونة تفاصيل بشأن كيفية معالجة هذه الحالات أثناء التطبيق، رغم إعلانه عن تنظيم دورات تكوينية وورشات عمل لفائدة الموظفين، وهو ما يجعل توضيح حدود السر المهني وشروط الحماية القانونية للمبلغين جانباً أساسياً في تنزيل المقتضيات الجديدة داخل المحاكم.
