600 Billion in the Wind… When a Royal Project Turns into a Cash Cow
الذي فعله محمد الغلوسي هذه المرة ليس مجرد تدوينة. كان بمثابة دقّ ناقوس فوق رأس مدينة كاملة. فـ“مراكش الحاضرة المتجددة”، المشروع الملكي الذي ضُخّت فيه 600 مليار و300 مليون سنتيم، لم يعد يُرى كرهان تنموي، بل كواحد من أكثر الأوراش التي تحوّلت بصمت إلى منصة لتضارب المصالح، وترويض المساطر، وتليين القوانين حتى الانكسار.
الغريب أن كل شيء كان يتم تحت لافتة “الاجتماعات الرسمية”. اجتماعات، يلمّح الغلوسي، لم تكن دائماً لتقييم التقدم، بل أحياناً لتصنيع محاضر جاهزة، وإخراج قرارات “مضمونة الفعالية”، وإرسال مراسلات في اللحظة نفسها لجهات مختلفة… حتى يبدو كل شيء طبيعياً، سلساً، ومنسجماً مع القانون.
قانون ظاهري فقط.
أما الجوهر… فشيء آخر كلياً.
القراءة الدقيقة لما كتبه الغلوسي تكشف أننا أمام هندسة موازية للبرنامج، صيغت خارج الأهداف الملكية التي أعلن عنها عند إطلاق الورش.
هندسة تحوّل فيها بعض المتدخلين من منفذين إلى “وسطاء امتياز”، ومن مسؤولين إلى بوابات لعبور الصفقات، ومن حماة للمصلحة العامة إلى لاعبين رئيسيين داخلها.
التحول الأكثر صدمة هو ذاك العقار في منطقة “السقوية”. منطقة يُمنع فيها البناء، حسب حرفية القانون. لكن فجأة وبقدرة توقيعات صامتة تحولت إلى “منطقة فلاحية”، ثم إلى مشروع استثماري مربح.
هذا التحول لا يحتاج إلى عبقرية قانونية لفهمه؛ يحتاج فقط لمعرفة من يملك القدرة على تدوير المساطر في الاتجاه الذي يريد.
ويشتد المشهد قتامة حين نصل إلى المعلمة الحضارية التي تحولت إلى مطعم فاخر.
أبواب ونوافذ تاريخية تُقتلع، معمار تراثي يُسحق، وديكور “باريسي” يستقر مكانه، بثمن كراء سنوي لا يتجاوز 7 ملايين سنتيم.
سبعة ملايين مقابل تدمير ذاكرة معمارية.
سبعة ملايين مقابل احتلال موقع لا يُقدّر بثمن.
سبعة ملايين… مقابل ماذا بالضبط؟
عند هذا الحد، يصبح كلام الغلوسي عن “البقرة الحلوب” أكثر دقة من أي تعريف قانوني، فالمشروع بدا كما لو أنه تحوّل إلى محلّ ضخم لتصفية الامتيازات، ومساحة صامتة لغسل الأموال، وورشة لخلق ثروات لا تنمو بالعمل، بل بالوصول إلى القرار.
بلغة المؤسسات، نحن أمام مؤشرات واضحة على استعمال السلطة لتحقيق مصالح خاصة.
وبلغة السياسة: نحن أمام مشروع ملكي اختُطف من سكته.
دعوة الغلوسي للقضاء لم تكن خطوة شكلية، كانت إعلاناً صريحاً بأن المسألة تجاوزت حدود النقاش الرقمي، وأن الملف لم يعد يحتمل الصمت، وأن “600 مليار في مهبّ الريح” لم تعد مجرد عبارة بل حقيقة يلمسها سكان المدينة يومياً:
طرق لم تُنجز كما يجب، مرافق بلا روح،معالم اختفت، وصفقات نبتت بلا تفسير.
السؤال اليوم أكبر من كل الأسماء التي قد تُذكر،هو سؤال مدينة بكاملها:
كيف يمكن لمدينة عالمية مثل مراكش أن تتحول مشاريعها الكبرى إلى مختبر لتجريب المساطر الملتوية؟
كيف تتبخر 600 مليار بهذا الشكل؟
ومن كان يمسك بالخيوط؟
ومن كان يسهل؟
ومن كان يراقب؟
ومن كان يتغاضى؟
الملف لم يعد مجرد وثائق ولا معطيات، أصبح مرآة تعكس شكل الحكامة في المشاريع الكبرى، وكيف يمكن لورش ملكي أن ينقلب إلى سجلّ طويل من الصفقات والهندسات الخلفية.
وعندما تصل الأسئلة إلى هذا السقف، يصبح الجواب الوحيد هو:
فتح الملف كاملاً… وبلا خطوط معتمة.
