قدّم رئيس الحكومة عزيز أخنوش، اليوم الأحد، خلال محطة “مسار الإنجازات” بتيسة، خطاباً مكثفاً بالأرقام، مُهندَساً في عباراته ومُحكماً في إيقاعه، ليمنح الانطباع بأن البلاد على أعتاب تحول تنموي واسع.
تحدّث بثقة عن ملايين الأسر المستفيدة من الدعم، وزيادات في الأجور، ونمو اقتصادي يقترب من 5%، واستثمارات قيل إنها ستوفر آلاف فرص الشغل.
لكن خلف هذا البناء اللغوي المنسجم، بدا الخطاب وكأنه صادر من واقع موازٍ، واقع لا يعيش التهاب الأسعار، ولا يواجه أزمة الماء، ولا يصطدم يومياً بهشاشة المنظومتين الصحية والتعليمية.
الأسر التي تُقدَّم كـ“مستفيدة” تجد نفسها في مواجهة الأسواق لا في مواجهة الأرقام. الدعم يتلاشى قبل منتصف الشهر، والقدرة الشرائية تتراجع بلا ضجيج.
أما الجهة التي استقبلت الخطاب، فما تزال تبحث عن ماء يصل دون انقطاع، وعن فرص شغل فعلية، وعن مستشفى يُطمئن بدل أن يُقلق. هنا تظهر الفجوة بين لغة المنصّة ولغة المعيشة اليومية، فجوة تتسع كلما ارتفع منسوب الوعود.
وفي الفلاحة، ظهر الخطاب وكأنه إعلان عن استعادة التوازن: إنتاج وافر للزيتون، وأسعار “تتراجع”. لكن نصف الحقيقة فقط هو ما قُدم.
فالانخفاض مرتبط أساساً بالسوق الأوروبية التي أعادت ضخ مخزونها بعد موسم جيّد، وليس بنتائج مباشرة لسياسات محلية. ثم إن الملف لا يتوقف عند الأسعار: رجوع شحنة زيت زيتون بسبب بقايا مبيدات أعلى من المسموح أعاد سؤال الجودة والرقابة إلى الواجهة. المواطن لا يبحث فقط عن ثمن مناسب… بل عن منتوج آمن.
وفي ملف الماء، الذي وصفه أخنوش بأنه “شرط وجود”، يتعمق التناقض أكثر. صحيح أن جلب الماء لتيسة من سد إدريس الأول خطوة مستعجلة، وأن سد “مداز” أُنجز بسرعة قياسية، لكن الأزمة المائية في المغرب تجاوزت الحلول التقنية.
سنوات الجفاف وتراجع الموارد تجعل من الإجراءات الحالية مجرد مسكنات مؤقتة، لا تعالج عمق الأزمة.
أما التعليم والتكوين، فالمشهد لا يحتاج إلى كثير من التأويل. توسع في البنيات، لكن جودة التعليم تتراجع. الجامعة تتقدم في التصريحات أكثر مما تتقدم في التصنيفات، والشباب يُدفعون نحو سوق شغل محدود، ولو توسعت هياكل التكوين المهني، ما دام عمق الإشكال في المناهج وفي غياب الربط الحقيقي بين التكوين والحاجيات الاقتصادية.
والاستثمار… بيت السؤال الأكبر. 19 ألف فرصة شغل رقم جذاب، لكنه يفتح الباب على تساؤلات مشروعة: من يستفيد فعلاً من الصفقات الكبرى؟ من يوجه خارطة المشاريع؟ من يملك القدرة على دخول “النادي الضيق” الذي يتحرك داخله الاستثمار في مجالات استراتيجية مثل تحلية المياه والطاقة والبنيات التحتية؟ السنوات الأخيرة بيّنت أن مسار الاستثمار بات يتحرك داخل دائرة اقتصادية مغلقة نسبياً، وهو ما يجعل سؤال الشفافية مطروحاً بقوة، دون الحاجة إلى إطلاق أي اتهام.
وفي الصحة، تعود المفارقة، ذاتها مشاريع تُعلن، مراكز تُفتتح، وصور تُلتقط… لكن ما يطلبه المواطن أبسط بكثير: خدمة في وقتها، طبيب قريب، تجهيز يشتغل.
ومادام الخصاص في الأطر والتجهيزات قائماً، فإن البنايات وحدها لا تصنع تحولاً.
وحين ختم أخنوش خطابه بـ“مغرب العدالة والكرامة والاستقرار”، بدت العبارة مُقنعة لغوياً، لكنها مُطالبة عملياً. فالعدالة ليست رقماً يُعلن، بل أثر يُلمس.
والكرامة ليست وعداً، بل تجربة يومية داخل المدرسة والمستشفى والإدارة. والاستقرار ليس مصطلحاً سياسياً، بل قدرة المواطن على تغطية حاجياته دون خوف من نهاية الشهر.
ثم جاء التقرير الحقوقي الأخير ليضيف طبقة أخرى للصورة: هشاشة اجتماعية تتوسع، خدمات أساسية تتعثر، وفوارق تُعمّق الإحساس بعدم التوازن. تقرير بدا، بحد ذاته، تعليقاً غير مباشر على “مسار الإنجازات”.
ويبقى العامل الحاسم: التوقيت، اقتراب الانتخابات يجعل كل خطاب مُحملاً بإيحاءات مزدوجة، ترتفع لغة الإنجاز، تتوسع الوعود، وتصبح الأرقام أدوات سياسية.
غير أن ذاكرة المغاربة أبعد من أن تتأثر بعناوين لحظية، وأقوى من أن تخلط بين الإنجاز الدوري والإنجاز الموسمي.
لذلك، يبقى السؤال قائماً:
هل نحن فعلاً أمام بداية تغيير… أم أمام موسم جديد من الوعود التي ترتفع كلما اقتربت صناديق الاقتراع؟
