جاء ظهور الوزير المهدي بنسعيد على قناة “ميدي 1 تيفي” ضمن برنامج “Frontales” في لحظة ينتظر فيها الجسم الصحافي خطاباً يلامس عمق الأزمة التي يعيشها المجلس الوطني للصحافة.
لكن الخطاب الذي قُدّم كان أقرب إلى محاولة لتبريد المشهد، وإعادة صياغة التوتر في قالب لغوي هادئ يخفي جوهر الصراع.
الوزير قال إن القانون “قابل للتطوير” و”ليس نصاً مقدساً”، وإن الاحتجاج “حق دستوري”، وهي عبارات مطمئنة في ظاهرها.
لكن خلف الهدوء، قدّم بنسعيد قراءة مختزلة لأزمة تتجاوز النصوص نحو سؤال أكبر: من يملك الشرعية داخل هذه المؤسسة؟ وما إذا كان المجلس، بصيغته الحالية أو المقترحة، ما يزال فعلاً يمثل الجسم الصحافي.
فالاحتجاجات التي شهدتها الرباط لم تكن بسبب فقرة قانونية، بل بسبب إحساس واسع بأن المؤسسة التي يُفترض أن تكون حامية لأخلاقيات المهنة فقدت جزءاً من استقلاليتها وتمثيليتها.
وفي وقت كان ينتظر فيه الصحافيون مقاربة موضوعية للخلل، اختار الوزير تفسير الأزمة باعتبارها “اختلالاً تنظيمياً”، وهو توصيف يخفّف من عمق المشكلة ويؤجل الاعتراف بحقيقتها.
ثم جاءت اللحظة الأكثر لفتاً للانتباه في كلام الوزير، حين قال:
“إذا وقع اختلال في البرلمان، هل نحلّ البرلمان؟”
هنا بالضبط يتجلّى “الخلط العظيم”.
فالبرلمان مؤسسة دستورية تستمد قوتها من الاقتراع العام ومن التفويض الشعبي، بينما المجلس الوطني للصحافة مؤسسة مهنية تُبنى شرعيتها على التمثيلية الداخلية وعلى رضا الجسم الصحافي.
وضع المؤسستين في المستوى نفسه لا يعكس فقط سوء تقدير، بل إعادة رسم للأزمة بطريقة تُخرجها من فضائها المهني وتُدخلها إلى منطقة “المؤسسات التي لا تُمسّ”.
بهذا الخلط يصبح النقد المهني شبيهاً بالهجوم على مؤسسة دستورية، ويصبح مطلب الإصلاح مساساً بالبناء المؤسساتي، بينما هو في الأصل نقاش داخلي حول شرعية التمثيل واستقلالية القرار.
الوزير لم يتوقف هنا، بل قدّم دفاعاً مطولاً عن هندسة المقاعد الجديدة، وعن إضافة ما أسماه “ناشرين حكماء”.
غير أن الإشكال لا يكمن في الأرقام، بل في الأسئلة التي ظلت معلقة:
من يختار هؤلاء؟
ومن يحدد معايير الحكمة؟
وهل هذه الهندسة ستفتح المجال للتمثيلية الواسعة أم ستعيد إنتاج نفس الدوائر الضيقة داخل القطاع؟
ثم جاء حديث الوزير عن اللجنة المؤقتة التي وضعت أساس المشروع القانوني.
لكنه لم يتطرق إلى الشرعية الخاصة بهذه اللجنة: من اختارها؟ هل هي منتخبة؟ هل تمثل كل الأطياف؟
كيف يمكن لهيئة غير توافقية أن تصوغ مستقبلاً تنظيمياً لقطاع كامل؟
في الوقت نفسه، يقدم الوزير المجلس كدرع يحمي المهنة من تدخل الحكومة، لكن السؤال الأهم يظل معلّقاً:
من يحمي المهنة من تدخل المجلس نفسه إذا فقد استقلاليته؟
فالتنظيم الذاتي ليس اسماً يُرفع، بل منظومة تستند إلى استقلالية حقيقية، وشفافية في القرار، وقدرة على المحاسبة، ومسافة واضحة بين السلطة والمهنة.
المجلس اليوم لا يعاني من مشكلة نصوص، بل من مشكلة ثقة. والتسريبات التي مسّت لجنة الأخلاقيات عمّقت هذا الشرخ، وأظهرت أن جوهر الأزمة أخلاقي قبل أن يكون قانونياً.
ومهما أُعيدت صياغة القانون، فإن الإصلاح يظل ناقصاً ما لم يُعالج أصل الخلل: استعادة الشرعية المهنية من قاعدة المهنة نفسها.
خطاب الوزير قدّم طمأنة لغوية، لكنه تجنب الدخول في الأسئلة الحقيقية:
هل يمثل المجلس الجسم الصحافي؟
هل آليات التمثيل شفافة؟
هل الاستقلالية مضمونة؟
ولماذا يُرفع المجلس إلى مقام البرلمان لإسكات مطلب الإصلاح؟
المهنة لا تُدار بالجمل الهادئة في الاستوديوهات، بل تُدار بالثقة، وعندما تنهار الثقة، يصبح أي قانون مجرد جدار جديد على أساس هش.
وما لم يُعترف بأن المجلس ليس مؤسسة سيادية بل مؤسسة مهنية قابلة للمراجعة، فإن الأزمة ستبقى قائمة مهما تغيّرت النصوص.
إن ما يحتاجه القطاع اليوم ليس خطاباً مطمئناً، بل شجاعة الاعتراف بأن الشرعية المهنية تُبنى من القاعدة، وأن المجلس بكل بساطة لا يمكن أن يكون برلماناً.
وأن بداية الإصلاح الحقيقية تبدأ من هذه الجملة وحدها.
