From Zaki Prison to the Palace… Salé Unseals Its Black Ledgers and Reopens the Most Explosive Case Ahead of the 2026 Elections
تعيش مدينة سلا لحظة استثنائية، بعدما خرج إلى الضوء ملف اعتقد الجميع أنه دُفن نهائياً.
ملف ثقيل، محمّل بأسماء نافذة وقرارات مثيرة وشبهات عمرها أكثر من 14 عاماً، يعود اليوم ليضع المدينة والجهة والحقل السياسي المغربي أمام امتحان قاسٍ، قبل أشهر قليلة من دخول محطة انتخابية تُعدّ من الأكثر حساسية منذ عقدين.
ما يجري في سلا ليس مجرد إعادة تحريك لملف قديم، بل فتح لدفاتر سوداء أُغلقت عمداً، وتحريك لعقدة سياسية لم يجرؤ أحد على لمسها لسنوات.
توقيت العودة وحده يكفي لطرح السؤال: لماذا الآن؟ ومن الذي حرّك الخيط؟ وما الذي يقلق الأحزاب إلى هذا الحد؟
القضية التي عادت إلى السطح تضم أسماء من العيار الثقيل؛ بعضها قاد مدناً ومؤسسات، وبعضها ما يزال يتحرك داخل مفاصل القرار المحلي. جامع المعتصم، نور الدين الأزرق، رشيد العبدي، محمد عواد… وغيرهم من المنتخبين والمهندسين والموظفين والمقاولين.
لائحة التهم وحدها تكشف حجم الملف: استغلال النفوذ، تلقي الرشوة، تبديد واختلاس أموال عمومية، تزوير وثائق رسمية، وخروقات واسعة في التعمير.
إنها تهم لا تُفتح بها مجرد مسطرة قضائية، بل تُفتح بها مرحلة سياسية بأكملها، وبنية نفوذ عاشت طويلاً في قلب المدينة.
قاضي التحقيق عبد القادر الشنتوف، المعروف بثقله القضائي، أعاد تحريك عجلة قضية جُمِّدت لـ14 عاماً. الاستماع الأول لعبد اللطيف بنعزوز لم يكن حدثاً بسيطاً، بل لحظة انعطاف أعادت القضية إلى مسارها الأصلي.
وفي الأيام المقبلة، سيستمع الشنتوف إلى إدريس السنتيسي وعبد القادر الكيحل وسعيد موكجا… وهي مفارقة صادمة أن يتحول المشتكون القدامى إلى شركاء سياسيين في الحاضر.
السياسة تقلب المواقع، لكن القضاء لا يغيّر ذاكرته.
العودة إلى سنة 2011 تعيد معها ظلال الفصل الأكثر غموضاً في تاريخ المدينة الحديث: 17 اسماً اعتُقلوا دفعة واحدة، تهم ثقيلة، إيداع بسجن الزاكي، ثم إطلاق سراح مفاجئ أُغلق به الملف بطريقة أربكت الرأي العام.
وما زاد الغموض هو انتقال جامع المعتصم من بوابة السجن إلى بوابة القصر الملكي، ليتولى منصباً في المجلس الاقتصادي والاجتماعي. انتقال بقي طوال عقد سؤالاً معلقاً في الهواء.
توقيت إعادة فتح الملف اليوم ليس تفصيلاً. فكل المؤشرات تؤكد أن الدولة تستعد لعملية “غربلة صامتة” قبل انتخابات 2026، وأن الملفات العالقة ستتحول إلى أدوات فرز سياسي وقانوني.
تصريح وزير الداخلية، حين قال: “الذين يرفضون التنحي… نحن نعرفهم جيداً”، لم يُقرأ كجملة عابرة. كان إعلاناً واضحاً عن نهاية مرحلة كانت فيها الملفات تُدار في الكواليس.
الأسماء المتابعة اليوم ليست مجرد أفراد؛ إنها رؤوس شبكات انتخابية تتحرك عبر الجمعيات والأندية الرياضية والتنظيمات المحلية.
سقوط واحد منها قد يعني سقوط منظومة كاملة، وقد يؤدي إلى إعادة ترتيب الخريطة السياسية داخل سلا والجهة.
وتشير معطيات الملف إلى أن ملتمسات النيابة العامة ثقيلة، وتحمل نفس التهم التي قادت سنة 2011 إلى الاعتقال الاحتياطي. غير أن السياق الحالي مختلف جذرياً:
لا توجد صفقات سياسية في الخلفية، ولا مساحات للتسويات، ولا أحد يستطيع التنبؤ بما سيحدث لاحقاً.
المشهد برمته يشبه لحظة تُرتّب فيها قطع الشطرنج قبل انطلاق مباراة حاسمة.
مباراة عنوانها العريض هو انتخابات 2026، والشرط الأساسي فيها أن تدخل الأحزاب السباق بوجوه نظيفة، أو على الأقل دون ملفات ثقيلة معلقة في رقابها.
لذلك لم يعد السؤال: من المتورط؟
بل أصبح: من سيبقى واقفاً قبل أن يبدأ السباق؟
وفي مدينة مثل سلا، حيث لا تهدأ التوترات تحت السطح، قد يكون هذا الملف بداية مسلسل طويل يعيد تشكيل نفوذ استمر سنوات داخل الجهة.
ما يحدث ليس مجرد تفاصيل في تحقيق قديم، بل فتح لصفحات كانت تُقرأ همساً، وتحريك لدوائر ظل كانت محمية طويلاً.
ومع كل خطوة جديدة، تتقدم العاصفة أكثر نحو قلب المشهد السياسي.
وسلا، كما يبدو، تدخل الآن لحظة مكثّفة، تتشابك فيها الذاكرة السياسية مع المستقبل الانتخابي، وتحضر فيها الملفات القديمة كمفاتيح لمرحلة قادمة.
