لم يكن المشهد داخل مجلس النواب، اليوم الإثنين، مجرد لحظة توتر عابرة.
ما وقع كان أقرب إلى “صورة جماعية” لأزمة أعمق تعيشها المؤسسة التشريعية، ولأسلوب حكومي يزداد انفلاتاً كلما اقترب النقاش من الملفات الحساسة.
فالمواجهة التي بدأت بسؤال تقني حول تعديلات قانون مهنة العدول انتهت إلى صدام سياسي مفتوح، تقاذفت فيه الألفاظ، وارتفعت فيه الأصوات، وتدخلت فيه سلطات أعلى لإعادة الانضباط.
البداية كانت روتينية: سؤال من فريق العدالة والتنمية حول التعديلات المثيرة للجدل في قانون مهنة العدول.
لكن الردّ لم يكن تقنياً ولا دستورياً، بل جاء محمّلاً بنبرة استعلاء واضحة حين قال الوزير إنه “لا يدري إن كان ضرورياً أن يجيب الآن”، وأن القانون “سيصل إلى اللجنة، وهناك فقط سيتم النقاش”.
هذا الردّ أغضب المعارضة، لكنه لم يكن سوى مقدمة التوتر. اللحظة التي قلبت المشهد رأساً على عقب كانت حين خاطب وهبي النائبة المتدخلة قائلاً: “لا يعقل أن تقرأي علينا بيان مجلس قيادة الثورة قبل قراءة القانون.”
الجملة سقطت كالصاعقة داخل القاعة، ولم تكن مجرد استعارة سياسية، بل حكماً قيمياً يجرّم التعقيب ويحوّل النقاش من إطار دستوري إلى سخرية سياسية مباشرة.
نواب العدالة والتنمية اعتبروا العبارة خروجاً صريحاً عن اللياقة السياسية.
عبد الصمد حيكر طالب بسحبها فوراً من المحضر، مؤكداً أن “الاحترام المتبادل هو أساس العمل البرلماني”.
مصطفى الإبراهيمي بدوره اعتبر أن تصريح الوزير “لا علاقة له بالسؤال ولا بالمؤسسة”.
لكن وهبي اختار المواجهة بدل التراجع، فبدا أكثر تشبثاً بعبارته، قائلاً إن “ما جاء على لسان النائبة بيان سياسي، وما دام بياناً فمن حقه الردّ ببيان”.
هذه اللهجة لم تُفسَّر إلا كتصعيد، لتدخل الجلسة مرحلة الاحتقان المفتوح، حيث توالت نقاط النظام، وارتفعت المطالب بالاعتذار، وبدأت القاعة تفقد هدوءها.
وفي خضم هذا التوتر، حاول رئيس الجلسة إدريس الشطيبي ضبط مسار الحوار، لكنه سرعان ما انزلق نحو لغة خارجة عن السياق حين خاطب نواب العدالة والتنمية بوصف مثير: “ماركسيون على سنة الله ورسوله.”
القاعة اهتزّت من جديد، فالعبارة كانت كافية لإشعال جولة ثانية من الفوضى.
رئيس الجلسة رفض منح الكلمة لحيكر، فتشبث هذا الأخير بحقه في التدخل، فطلب الشطيبي من الأعوان إخراجه بالقوة.
عندها تحولت الجلسة إلى مشهد صاخب: نواب يصرخون، آخرون يتدخلون، والرئاسة تلوّح بسلطتها وسط معارضة غاضبة.
وفي ذروة الفوضى، تم تعليق الجلسة.
لكن المفاجأة الأبرز حدثت خارج عدسات الكاميرا، حين اضطر وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت إلى التدخل شخصياً لتهدئة الوضع وسحب وزير العدل من القاعة.
هذه الخطوة لم تكن عابرة: فهي تكشف أن التوتر بلغ مستوى غير مسبوق، وأن الحكومة نفسها شعرت بأن النقاش خرج عن السيطرة، وأن تدخّل الداخلية كان ضرورياً لإعادة الهدوء.
عودة وهبي بعد دقائق من التهدئة الإلزامية أكدت أن الأمر تجاوز الخلاف السياسي إلى أزمة في إدارة الخطاب داخل الحكومة.
ما حدث في تلك الجلسة لم يكن خلافاً عابراً، بل كشف مستويات متعددة من الهشاشة السياسية:
هشاشة الخطاب الوزاري الذي فقد جزءاً من اتزانه، هشاشة إدارة الجلسة التي انزلقت إلى تبادل عبارات غير لائقة وقرارات طرد مثيرة للجدل، وهشاشة علاقة الحكومة بالمعارضة التي أصبحت متوترة إلى حدّ يجعل أي نقاش قابلاً للانفجار.
وورغم استئناف الجلسة وكأن شيئاً لم يقع، فإن الحقيقة أن المؤسسة خرجت متضررة.
فخطاب انفعالي من وزير يفترض فيه التحفّظ، ورئاسة جلسة فقدت السيطرة، ومعارضة مستفَزة، وأغلبية لم تنجح في التهدئة… كلها عناصر اختزلت لحظة سياسية غير مطمئنة داخل واحدة من أهم مؤسسات البلاد.
والمفارقة أن كل هذا الاشتباك اندلع بسبب كلمة واحدة، لكنها كانت كافية لتكشف حجم الأزمة التي يعيشها الخطاب السياسي في المغرب.
