في غضون أيام قليلة، وجد المغاربة أنفسهم أمام مشهد سياسي يكشف أكثر مما يخفي.
وزير العدل عبد اللطيف وهبي، المعروف بخطابه المباشر والصادم، قدّم صورتين متباعدتين زمنياً لكن متكاملتين في الدلالة.
قبل أيام قال عبارته التي أثارت نقاشاً واسعاً: “اللي شاف الفساد يجي يعكّر ليا… راه ما كيبانش بالعين.”
كانت الجملة في ظاهرها دفاعاً تقنياً عن موقفه من مشروع قانون الإثراء غير المشروع، لكنها حملت رسالة أعمق: أن الفساد، في نظر الوزير، لا يُرى بالعين، ولا يمكن القبض عليه بسهولة، وأن الاتهام به قد يتحول إلى أداة للتشويه أكثر مما هو وسيلة للمحاسبة.
واليوم، داخل قبة البرلمان نفسه، عاد وهبي ليُسقِط القشرة الأخيرة عن الصورة، وهو يعلن أمام النواب: “البرلمان ما فيهش الملائكة… فيه اللوبيات.”
لم يقلها بانفعال، ولا في سياق ردٍّ هجومي، بل ببرودة رجل يصف واقعاً مستمراً منذ عقود. الجملة لم تمرّ مروراً عابراً، بل استقبلها النواب بتصفيق واضح؛ تصفيق يكشف أن الحقيقة التي قالها الوزير ليست صادمة داخل المؤسسة بقدر ما هي صادمة خارجها.
لحظة التصفيق تلك كانت حدثاً سياسياً بذاتها: لحظة تُظهر أن هذه الحقيقة لم تعد محرِّجة، بل صارت جزءاً من اللغة العادية داخل البرلمان.
وحين نضع الجملتين جنباً إلى جنب، يتشكّل خطاب سياسي غير مسبوق. ففي الأيام الماضية قال وهبي إن الفساد “لا يُرى”، واليوم يقول إن البرلمان “ليس بريئاً”.
إنه لا يتحدث عن مؤسستين منفصلتين، بل يصف سلسلة واحدة: فساد لا يترك أثراً مباشراً، ولوبيات تتحرك في الظل، وقرارات تتشكل في بيئة قوة غير معلنة.
وهبي، من دون أن يقصد ربما، قدّم أول اعتراف متسلسل من داخل السلطة بأن جزءاً من الحياة السياسية المغربية يُدار خارج الأضواء، وأن المؤسسات التي يُفترض أن تقود الإصلاح ليست محصنة من تأثير المصالح.
أما التصفيق الذي رافق جملته، فقد كان بمثابة إقرار جماعي بأن اللوبيات جزء من اللعبة، وأن الصراحة بشأنها لم تعد تهديداً للهيبة المؤسسية.
إنها لحظة يمكن وصفها بأنها مفترق طرق: هل يعني التصفيق قبول الواقع كما هو؟ أم بداية الاعتراف به تمهيداً لإصلاحه؟ لا أحد يملك الجواب الآن، لكن المؤكد أن ما قيل اليوم لم يعد قابلاً للإنكار.
من عبارة “الفساد ما كيبانش بالعين” إلى عبارة “البرلمان فيه اللوبيات”، تتشكل رؤية جديدة للسياسة كما تراها الحكومة نفسها: نفوذ غير مرئي، مصالح متداخلة، ومؤسسة تشريعية تتحرك داخلها قوى لا يراها المواطن العادي.
إنها صورة جريئة، لكنها في الوقت ذاته تكشف حدود الديمقراطية التمثيلية حين تصبح العلاقات غير الرسمية جزءاً من عملية صنع القرار.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة، يأتي هذا التشخيص من الداخل، لا من المعارضة ولا من الصحافة ولا من المجتمع المدني.
وزير عدل يعترف بأن الفساد غير مرئي، وبرلمان يصفّق حين يُوصف بأنه محاط بلوبيات.
هذا وحده كافٍ ليجعل اللحظة تُقرأ دولياً كإشارة إلى أن المغرب دخل مرحلة جديدة: مرحلة يقول فيها المسؤولون الحقيقة بلا تجميل، لكن من دون تقديم رؤية واضحة لتغيير هذه الحقيقة.
الصدق ليس بديلاً عن الإصلاح، والتصفيق ليس بديلاً عن المسؤولية.
والمشهد اليوم يكشف حقيقة أكبر من التصريحيْن معاً: المغرب أمام لحظة سياسية عارية، تُقال فيها الحقائق بجرأة غير معتادة، لكن التغيير الحقيقي ما زال ينتظر من يملك الشجاعة لتجاوز الاعتراف نحو الفعل.
