لم يكن المشهد السياسي المغربي، في الأشهر الأخيرة، عادياً أو قابلاً للإدراج في خانة التوترات العابرة. فالتصريحات التي خرجت من داخل البرلمان وعلى لسان وزراء ونواب وقادة سياسيين كشفت عن طبقات عميقة من الإشكال المؤسساتي، وعن حجم التصدّع الذي أصاب العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وعن واقع جديد لم تعد فيه السياسة قادرة على إخفاء مساحات الظل التي تدور فيها صناعة القرار.
حين يقول وزير، من داخل المؤسسة التشريعية، إنّ البرلمان “لا يضم ملائكة”، وإنّ “اللوبيات تتحرّك داخله”، فإنّ ذلك لا يندرج ضمن البلاغة السياسية، بل يدخل في باب الاعتراف الرسمي بوجود نفوذ غير مُعلن يتجاوز المسارات الدستورية المألوفة.
وتزداد دلالة هذا الاعتراف حين نربطه بما أثارته خلال الأشهر الماضية تصريحات ومداخلات وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي وجد نفسه في قلب سجالات شائكة مع مكونات من البرلمان، حول ملفات تهم التشريع، والمهن القانونية، والتوازن بين السلط.
فوجود وهبي في هذه اللحظة لا يتعلق بشخصه بقدر ما يرتبط بوزارته، بما تمثله في معادلة الدولة: وزارة تُقاس من خلالها شرعية المؤسسات، وتُختبر فيها حدود الفصل بين السلط.
ولذلك فإنّ أي احتكاك حاد بين البرلمان ووزير العدل لا يمكن عزله عن السياق الأوسع للأزمة السياسية، لأنه يصبح مؤشراً على مدى هشاشة البنية، لا مجرد خلاف ظرفي.
وإذا وضعنا هذا المشهد في إطاره الكامل، سنجد أنفسنا أمام تداخل معقّد بين ثلاث مستويات: مستوى اعتراف حكومي بوجود لوبيات داخل البرلمان؛ مستوى ردّ برلماني يُلمّح إلى تضارب المصالح في بعض قرارات الحكومة؛ ومستوى ثالث خرج من داخل الأحزاب نفسها، حين صرّح قادة سياسيون بأنّ المجال الانتخابي تحوّل إلى “سوق للمنتخبين”، وبأنّ التنافس الحزبي لم يعد قائماً على المشاريع والبرامج، بل على شبكات النفوذ والتحكّم في الخريطة الانتخابية قبيل 2026.
هذا المشهد المركّب يكشف أن السياسة المغربية دخلت مرحلة انتقالية دقيقة، حيث لم تعد الخطابات قادرة على إخفاء الواقع، ولم تعد اللغة السياسية التقليدية قادرة على حماية صورة المؤسسات.
فالصدع الذي ظهر بين البرلمان والحكومة بكل ما يحمله من اتهامات مبطّنة يعكس أزمة ثقة مؤسساتية شاملة.
وعندما يعلن وزير وجود لوبيات داخل البرلمان، وعندما يردّ نواب بحديث عن تضارب المصالح داخل الحكومة، فإنّ ذلك يعني أنّ السلطتين، معاً، تُقرّان بأنّ القرار العمومي أصبح محاطاً بهوامش تأثير لا تخضع دائماً لمنطق التمثيل الديمقراطي.
ويتعاظم هذا الشعور حين نلاحظ أنّ كل هذه الاعترافات قيلت بحضور وزير الداخلية، الذي يمثل، بحكم موقعه، عين الدولة على الحقل الانتخابي.
الصمت الذي رافق هذه اللحظة بدا صمتاً مدروساً أكثر منه صمتاً محايداً؛ صمتاً يقرأ، ويقيس، ويترقّب. فالدولة تدرك أنّ الأحزاب لم تعد قادرة على تأطير المجتمع كما ينبغي، وأن البرلمان لم يعد قادراً على صون صورته الرقابية، وأن الحكومة نفسها أصبحت موضوع مساءلة قبل أن تكون فاعلاً في صياغة السياسات.
وبالتالي، يصبح من الطبيعي أن يزداد وزن المقاربة التقنية في تدبير الشأن العام، وأن تتقدم الإدارة بصفتها جهازاً منضبطاً على السياسة التي تعيش ارتباكاً واضحاً.
وهنا يظهر السؤال الأكبر: ماذا يتبقى للمواطن في ظل هذا المشهد؟ المواطن الذي يجد نفسه في قلب أزمات اجتماعية واقتصادية خانقة، بينما يدور النقاش السياسي حول تبادل الاتهامات، لا حول تقديم البدائل أو معالجة الاختلالات.
فهو الذي يدفع ثمن التوتر بين السلط، وثمن عجز الأحزاب عن إنتاج نخب جديدة، وثمن صراع النفوذ الذي يتقدم فيه الانتماء الظرفي على الانخراط السياسي الواعي، وتُختزل فيه الديمقراطية إلى مجرد سباق انتخابي تقني، لا مشروع لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
وليس من باب المبالغة القول إنّ الأزمة اليوم ليست أزمة وزير ولا أزمة برلمان ولا أزمة حكومة، بل أزمة نموذج سياسي يحتاج إلى مراجعة عميقة.
فاعتراف وزير بوجود لوبيات خطوة جريئة في حد ذاتها، غير أنّ استمرار اللعبة السياسية بالطريقة نفسها يجعل الاعتراف جزءاً من الأزمة لا بداية لحلها.
ذلك أنّ السياسة، لكي تستعيد معناها، تحتاج إلى بنية سليمة تُعيد تنظيم العلاقة بين السلط، وتضبط حدود التأثير، وتمنح الأحزاب القدرة على أداء وظائفها الطبيعية في التأطير والاقتراح والتمثيل.
وفي غياب ذلك، سيبقى السؤال الأصعب معلّقاً: من يمتلك القرار الحقيقي في المغرب؟
هل هي الحكومة التي تواجه أسئلة المصالح؟
أم البرلمان الذي يُوجَّه له اتهام اللوبيات؟
أم الأحزاب التي فقدت بوصلة المجتمع؟
أم مؤسسات أخرى تتحرك بصمت داخل هوامش أوسع؟
هذا السؤال لم يعد سؤالاً نظرياً، إنه السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه اليوم بإلحاح، بعد أن كشفت لعبة الكبار أسرارها، وبعد أن أصبح الاعتراف السياسي نفسه مرآة لما يجري خلف الستار.
والإصلاح، في مثل هذه اللحظة، لم يعد مجرد خيار، بل ضرورة لحماية توازن الدولة قبل كل شيء، وصون المستقبل السياسي لبلد يحتاج إلى إعادة بناء الثقة من جذورها، لا إلى مزيد من التجميل فوق جدار يتشقق بصمت.
