Massive Government Funding for Marriage: Only 38 Associations Share 5.7 Million Dirhams
لم يمرّ تقرير الدعم العمومي الموجّه للجمعيات خلال سنة 2023 مرور الكرام. فوسط زحمة الأرقام والميزانيات السنوية، برز رقم واحد كان كافياً لإعادة فتح ملف ظلّ لسنوات طويلة في المنطقة الرمادية: 570 مليون سنتيم وُزّعت على 38 جمعية فقط، تحت عنوان “تأهيل الشباب للزواج”.
هذا الرقم لم يثر الاستغراب بسبب حجم الدعم فقط، بل بسبب غياب أي معطيات ترافقه: لا لائحة مفصلة للجمعيات، ولا معايير للانتقاء، ولا تقارير تقييم، ولا حتى تصور واضح لطبيعة الأنشطة التي قامت بها هذه الهيئات لتبرير كل هذه الملايين.
كشفت مصادر إعلامية أن هذا الدعم يدخل ضمن رؤية حكومية تعتبر أن أزمة الزواج في المغرب سببها “نقص التأطير” و“غياب المواكبة”. لكن الواقع الاجتماعي يقدّم صورة مختلفة تماماً: شباب غارق في البطالة، أسعار سكن لا تطاق، مداخيل ضعيفة، غلاء مهول في تكاليف الحياة، وأفق اقتصادي لا يساعد حتى على بناء حياة فردية، فما بالك بحياة زوجية. في ظل هذا المشهد، تبدو مبادرة “تأهيل الشباب للزواج” مبادرة فوقية تُقدّم وصفة نفسية لمشكلة أصلها اقتصادي–اجتماعي خالص.
السؤال الكبير يتعلق بهذه الجمعيات الـ38 التي استفادت لوحدها من مبلغ ضخم. من اختارها؟ كيف تم انتقاؤها؟ ما حجم تجربتها؟ وما الذي يجعلها مؤهلة أكثر من غيرها لتتكفل بملف حساس مثل تأهيل الشباب للزواج؟ هل تم الإعلان عن طلب مشاريع؟ هل كانت هناك لجنة تقييم مستقلة؟ أم أن الأمر تم كعادته عبر شبكة العلاقات القريبة من مراكز القرار؟
في غياب الأجوبة، تبقى الصورة ضبابية، خاصة وأن الدعم العمومي للجمعيات لا يزال مجالاً يمتلئ بشبهات المحاباة وتوزيع الامتيازات بشكل غير متوازن بين جمعيات “محظوظة” وأخرى لا تصلها إلا الفتات.
والمال العمومي، حين يوزع بدون معايير واضحة، يصبح مجرد أداة لإعادة إنتاج نفس الخريطة، بدل أن يكون وسيلة لتحقيق التنمية أو حلّ الأزمات.
أكثر من نصف مليار سنتيم خرجت من ميزانية الدولة دون أن يعرف المواطن حجم الأثر الحقيقي لهذا الدعم. كم عدد الشباب الذين استفادوا فعلاً؟ ما نوعية التأهيل الذي تلقّوه؟ هل حسّن أوضاعهم؟ هل وُضعت تقارير لقياس النتائج؟ أم أن الأمر مجرد ورشات ومحاضرات عابرة لا علاقة لها بالواقع المادي الذي يعيشه الشباب اليوم؟
الزواج ليس “ورشة تكوين” ولا “محاضرة في التنمية الذاتية”. الزواج مشروع حياة يحتاج شروطاً مادية قبل أي شيء آخر: سكن، عمل، دخل مستقر، قدرة شرائية معقولة، وأفق يخلق الطمأنينة.
وهي عناصر غائبة اليوم، وتجعل أي كلام عن “تأهيل للشباب” يبدو بعيداً عن جذور الأزمة الحقيقية.
في النهاية، يبقى أكثر طلب منطقي هو نشر لائحة الجمعيات المستفيدة، والمبالغ التي حصلت عليها، وطبيعة المشاريع، وعدد المستفيدين، وتقرير تقييم واضح وقابل للتتبع.
فالمال العمومي ليس هدية، ولا مكافأة، ولا امتيازاً سياسياً. إنه حق للمجتمع، ومن واجب الدولة أن توضّح أين ذهبت هذه الملايين وما الذي حققته فعلاً.
570 مليون سنتيم ليست رقماً بسيطاً، و38 جمعية ليست رقماً كبيراً. وبين الرقمين، توجد أسئلة كثيرة لا تزال تنتظر جواباً واحداً: أين الشفافية؟
