ليس في تأجيل محاكمة سعيدة العلمي ما يثير الدهشة. ما يثيرها، حقاً، هو ما تكشفه الدفوع الشكلية من طبقات أعمق؛ طبقات تُظهر أن المسطرة لم تكن مجرد إطار قانوني، بل وعاءً استُعمل لتكييف واقع مُنضبط سلفاً.
فالاعتقال بلا إشعار، وتأخر الإخبار، وبطلان المحاضر، ليست تفاصيل تقنية، بل مؤشرات دقيقة على لحظة سياسية قررت فيها الدولة أن تُدير الصوت لا أن تُصغي إليه.
وكانت العلمي قد أدينت ابتدائياً بالسجن النافذ لثلاث سنوات وغرامة قدرها 20 ألف درهم، بعد متابعتها في حالة اعتقال منذ يوليوز الماضي، بتهم “إهانة هيئة منظَّمة قانوناً”، و“نشر ادعاءات كاذبة”، و“إهانة القضاء”.
وتكتسب هذه الإدانة خصوصيتها من كونها تأتي بعد عام واحد فقط من استفادتها من عفو ملكي بمناسبة عيد العرش لسنة 2024، وهو ما أعطى للملف بُعداً إضافياً تجاوز حدود المتابعة القضائية العادية إلى نقاش أوسع حول فلسفة التعامل مع حرية التعبير في السياق الحالي.
يبدو أن الدولة توصلت، في هذا الملف، إلى تلك العتبة التي يتوازن فيها منطق الضبط مع منطق الهيبة؛ عتبة يصبح فيها القانون ممتداً بما يكفي ليغطي كل ما يزعج، ومطوياً بما يكفي ليُبعد عن المساءلة كل ما لا ينبغي آن يزعج.
هو توازن هشّ، لكنه يكشف أن هامش التفاعل مع حرية التعبير لم يعد كما كان، وأن الكلمة تحوّلت إلى معطى قابل للقياس الأمني أكثر مما هي حقّ دستوري ثابت.
القضية هنا أكبر من سياقها القانوني. إنها تشبه رسالة مكتوبة بحبر خفيف: المجال العمومي يُعاد تشكيله بخيوط غير مرئية، وثلاث سنوات سجناً تُهدَّد بها مدوّنة ليست عقوبة بقدر ما هي إعلان محسوب بأن التعامل مع النقد لم يعد يتم باعتباره اختلافاً، بل باعتباره اختراقاً.
ولهذا تبدو المتابعة القضائية أقرب إلى رسم حدود جديدة للكلمة، لا إلى معالجة فعل معزول.
في الواجهة، تواصل الدولة إنتاج خطاب مطمئن حول الحقوق والانفتاح والالتزام بالمؤسسات. لكن في العمق، يتسرّب شعور واضح بأن صبر السلطة اتجاه الأصوات غير المنضبطة بدأ يضيق، وأن إدارة اللحظة الرقمية تتم بمنطق احترازي شديد الحساسية.
الصرامة هنا ليست صرخة، بل نبرة منخفضة تعرف جيداً ما الذي تريد إيصاله دون الحاجة إلى لغة مباشرة.
الملف لا يدور حول سعيدة العلمي كشخص، بل حول سؤال أكبر: كيف تتعامل الدولة مع التعبير حين لا يمر عبر القنوات التي تختارها؟ وهل لا تزال الحريات تُدار بمنطق الحق، أم باتت تُقاس بدرجة انسجامها مع الصورة الرسمية؟ وما يجعل السؤال حرجاً أكثر هو أن الدولة تلجأ إلى تهم من قبيل “الإهانة” و“المساس” كلما تعلّق الأمر بانتقاد غير مروَّض، في إشارة إلى أن الدفاع عن الهيبة يتقدم تدريجياً على حماية الحرية.
هكذا يصبح الملف أكثر من قضية قضائية. يصبح مرآة تكشف أن الدولة بلغت تلك النقطة التي تتحول فيها السلطة إلى منظومة ردع ناعم، وأن القانون صار أداة لتغليف خيارات سياسية تريد ضبط المجال لا فتحه.
وكل قارئ لهذه اللحظة يفهم أن الضوء الأحمر مشتعل، وأن الدولة أمام فرصة نادرة: إما أن تُعيد تأكيد احترامها للقانون وحقوق الإنسان، أو أن تترك الممارسة ترسم صورتها القادمة… صورة قد لا تشبه مطلقاً الخطاب الذي تعلن عنه.
